الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يُحاكم النص قبل أن يُقرأ


حين يُحاكم النص قبل أن يُقرأ

عبدالكريم الحلو

 

في المشهد الثقافي العربي هناك

ظاهرة تستحق التوقف عندها قليلاً :

أن يُحاكم الكاتب قبل أن يُقرأ

وأن يُدان النص قبل أن يُفهم

وأن يتحول بعض القراء من شركاء في المعرفة إلى قضاة يستعجلون إصدار الأحكام.

 

والأغرب أن بعضهم  :

لا يحتاج أكثر من عنوان المقال ليكتب رأيه، ولا أكثر من بضعة أسطر ليقرر أن النص ضعيف، أو متعالٍ، أو مكرر، أو لا يستحق القراءة.

 

وكأن القراءة اليوم

 أصبحت سباقًا إلى التعليق،

لا رحلةً إلى الفهم.

 

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فالاختلاف مع الكاتب ليس عيبًا

والنقد ليس إساءة، والاعتراض ليس خصومة.

 

بل إن الكاتب الجاد  :

يحتاج إلى من يختلف معه،

لأن النص الذي لا يحتمل السؤال نص فقير، والكاتب الذي لا يحتمل النقد لم ينضج بعد.

 

لكن هناك فرقًا شاسعًا

بين النقد  والرغبة  في الانتقاص.

 

الناقد يقرأ أولًا،

ويفهم ثانيًا، ثم يكتب رأيه

 

أما المتربص فيحاكم أولًا،

ثم يبحث عن شيء يبرر حكمه.

 

ومن المؤسف جداً :

أن بعض البيئات الثقافية العربية

تعاني من هذه الظاهرة بوضوح  ؛

إذ تتحول نجاحات الآخرين إلى مصدر قلق، ويتحول تميز الزميل إلى سؤال شخصي :

 

  لماذا هو وليس أنا  ؟

 

  وهنا تظهر الفئة الأولى :

الشغوفون المحبون.

هؤلاء يفرحون للنص الجيد،

حتى لو لم يكن كاتبه صديقًا لهم.

 

يقرأون الفكرة قبل صاحبها،

ويختلفون مع الرأي

دون أن يسيئوا إلى صاحبه.

 

إنهم يعرفون أن نجاح الآخرين

لا ينتقص من نجاحهم، وأن الثقافة ليست كعكة يتقاسمها عدد محدود من الأشخاص.

هؤلاء هم الثروة الحقيقية

 لأي مشهد ثقافي.

 

  ثم تأتي الفئة الثانية:

     الغيورون والحاقدون :

 

وهؤلاء لا يزعجهم ضعف النص

بقدر ما يزعجهم نجاح صاحبه.

فإذا كتب، بحثوا عن ثغرة.

وإذا أبدع، قللوا من شأن إبداعه.

وإذا أثنى عليه الناس،

حاولوا إفساد الصورة.

 

وهذه أخطر أنواع الغيرة؛

لأنها ترتدي أحيانًا ثوب النقد.

 

فالناقد الحقيقي يقول:

هنا أخطأت، وهنا أختلف معك،

وهنا أرى أن حجتك تحتاج إلى دليل.

 

أما الحاقد فيقول :

لا يستحق كل هذا الاهتمام.

والفرق بين الجملتين ليس لغويًا فقط،

بل أخلاقي ومعرفي.

 

  ثم هناك فئة ثالثة:

الفخورون بك : من يفتخر بك بلا مقابل

وهؤلاء يرون في نجاح الآخر نجاحًا للمشهد كله. يصفقون حين يستحق التصفيق، وينصحون حين يحتاج صاحبهم إلى النصيحة.

لا يخافون من الاعتراف بفضل الآخرين، لأن ثقتهم بأنفسهم لا تحتاج إلى إسقاط أحد.

 

وهناك فئة رابعة أكثر تعقيدًا:

من يرى أنك حلقت بعيدًا بينما

بقي هو في مكانه.

هذه الفئة لا تعترف دائمًا بما تشعر به.

فقد تتحول المقارنة عندها إلى تقليل من شأن الآخر، أو إلى تشكيك في تجربته، أو إلى محاولة لإعادته إلى المستوى الذي اعتاد أن يراه فيه.

 

لكن المشكلة ليست في أن يحلق أحد.

المشكلة أن بعض الناس يريدون من الآخرين أن يظلوا على الأرض حتى لا يشعروا هم بثقل أجنحتهم.

 

  هنا علينا ألا نقع في الخطأ المقابل :

فليس كل ناقد حاقدًا،

وليس كل معترض غيورًا،

وليس كل من خالفنا يريد إسقاطنا.

 

وهنا تأتي التربية الثقافية الحقيقية.

علينا أن نعلّم أبناءنا وكتّابنا وقرّاءنا أن الاختلاف فضيلة إذا احترم العقل،

وأن النقد شجاعة إذا التزم المعرفة،

وأن الاعتذار عن الخطأ قوة لا ضعف،

وأن الاعتراف بفضل الآخرين لا يقلل من شأننا.

 

   هنا الكاتب الذكي والفطن

 ألا يقع في فخ الحساسية المفرطة.

ليس كل تعليق سلبي مؤامرة،

وليس كل ملاحظة عداءً،

وليس كل اختلاف حسدًا.

 

الكاتب الخبير هو الذي يستطيع أن يميز بين النقد الذي يطوره والكلام الذي لا يستحق أن يستهلك دقيقة واحدة من عمره.

 

  والقاعدة الذهبية هنا:

اقرأ النقد، افهمه،

خذ منه ما ينفعك،

واترك ما لا ينفعك،

ثم واصل الطريق.

 

لا تجعل تعليقًا عابرًا

يهدم ثقة بنيتها خلال سنوات.

ولا تجعل مديحًا عابرًا

يصنع لك غرورًا يهدم ما بنيته.

فالاثنان خطران.

 

المبدع الحقيقي لا يعيش على التصفيق، كما أنه لا يموت بسبب الصفير.

 

إنه يعرف قيمة ما يكتب،

ويترك للنص أن يدافع عن نفسه.

 

والأكثر إيلامًا أن بعض الناس يعلقون على نصوص لم يقرأوها أصلًا. وهذه ليست مشكلة في الذائقة، بل في أخلاق القراءة.

 

حين تكتب تعليقًا على مقال لم تكمله، فأنت لا تنتقد المقال ؛ أنت تنتقد تصورك عنه.

 

وحين تحكم على فكرة لم تفهمها

فأنت لا تمارس النقد

بل ،  تمارس الانطباع

 

وحين تختلف مع كاتب

قبل أن تعرف ماذا قال

فأنت لا تحاوره !

بل ،  تحاور صورة صنعتها عنه في ذهنك.

 

لذلك، فإن أول درس ينبغي أن نتعلمه في الثقافة هو:

اقرأ قبل أن تحكم

افهم قبل أن تختلف

ناقش الفكرة قبل صاحبها

وانتقد النص لا الإنسان

 

نحن بحاجة إلى ثقافة

أقل صخبًا وأكثر قراءة

أقل حساسية وأكثر معرفة

أقل انشغالًا بالأشخاص

وأكثر اهتمامًا بالأفكار

 

فليس عيبًا أن ترى غيرك يتقدم

وليس عيبًا أن تعترف بأن نصًا لكاتب آخر أجمل من نصك

وليس عيبًا أن تقول :

« لم أفهم هذا النص».

العيب أن تدعي فهم ما لم تقرأ

وأن تهاجم ما لم تفهم، وأن تحول المنافسة الثقافية إلى خصومة شخصية.

 

الثقافة التي تقوم على إسقاط الآخرين

لا تصنع مبدعين،

وإنما تصنع جدرانًا عالية بين أصحابها.

أما الثقافة الناضجة،

فهي التي تقول للمبدع :

حلّق… وسأحاول أن ألحق بك.

وتقول للمتقدم:

أحسنت… واصل طريقك.

وتقول للمختلف:

أختلف معك، لكنني أحترم حقك

 في أن تقول ما تؤمن به.

 

وتقول للناقد :

لا تجعل قلمك سكينًا

بل اجعله مصباحًا

 

فالنقد في جوهره ليس وظيفة لإطفاء الضوء، وإنما وسيلة لاكتشاف مواضع الضوء والظل.

 

وأخيرًا نصيحتي المتواضعه اغلفها بحب واهديها اليكم :

إلى كل شاعر وكاتب وناقد

يشعر أحيانًا أن كثرة الاعتراضات أثقلته :

لا تتوقف.... واصل المسير

لا تجعل الذين لم يقرأوا يحددون ما تكتب

ولا الذين لم يفهموا يحددون قيمته

ولا الذين يغارون منك يحددون مسارك.

 

لكن في الوقت نفسه،

لا تغلق أذنك أمام النقد الصادق.

كن واسع الصدر أمام النقد

ضيقًا أمام الإساءة

متواضعًا أمام النجاح

وثابتًا أمام الضجيج

 

فالزمن وحده قادر على أن يميز

بين من كان يكتب ليُرى

ومن كان يكتب لأنه يملك شيئًا

يستحق أن يُقال

 

وخلاصة القول :

لا أحد يستطيع أن يمنع طائرًا من التحليق، لكن بعضهم قد يقضي عمره كله غاضبًا من السماء لأنها سمحت لغيره أن يعلو ويحلق بعيداً.

"وماتوفيقي إلا بالله "

الدكتور عبدالكريم الحلو

كاتب وناقد أدبي عراقي

 

#اشارةللجميع


مشاهدات 41
الكاتب عبدالكريم الحلو
أضيف 2026/08/18 - 3:59 PM
آخر تحديث 2026/08/19 - 2:17 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 180 الشهر 20884 الكلي 16110588
الوقت الآن
الأربعاء 2026/8/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير