حين تتحول الرياضة إلى ساحة لتصفية الحسابات
زكي الطائي
لم تعد الخلافات في الوسط الرياضي العراقي مجرد اختلافات في وجهات النظر الفنية أو الإدارية ، بل بدأت تأخذ منحى أكثر خطورة ، بعدما تحول بعضها إلى تناحر واضح تحركه المصالح الشخصية وتغذيه الرغبة في إسقاط الخصوم حتى بات المشهد في كثير من الأحيان أقرب إلى صراع مفتوح لا مكان فيه للهدوء أو المنطق أو حتى أبسط قواعد الروح الرياضية .. التصريحات النابية والعبارات القاسية وحملات التسقيط التي تتكرر من هنا وهناك لم تعد حالات فردية يمكن تجاوزها بل أصبحت ظاهرة واضحة للعيان تقف خلفها برامج وصفحات وقنوات تتعامل مع الخلاف وكأنه مادة يومية لا بد من إبقائها مشتعلة وكأننا نعيش في عالم خال من الرحمة والمنطق والضمير ..
ولعل الأكثر إيلاما أن هذه الصراعات امتدت إلى صلب كرة القدم نفسها. فهناك من جعل من اللاعبين المغتربين هدفاً دائماً لحملاته وكأن ارتداء القميص الوطني لا يكفي لإثبات عراقية اللاعب وانتمائه .. وهناك من اتخذ من المدرب المحلي خصما دائما في مقابل آخرين انشغلوا بتسقيط النجوم والدفاع عن جيل كروي معين ، وكأن تاريخ الكرة العراقية يمكن اختزاله في مجموعة أسماء أو أن نجاح جيل ما يتطلب إلغاء ما سبقه أو ما سيأتي بعده ..
والحقيقة أن كرة القدم لا تبنى بهذه الطريقة ..
اللاعب المغترب واللاعب الذي نشأ في العراق كلاهما عراقي والمدرب المحلي والمدرب الأجنبي يقاسان بما يقدمانه من عمل ونتائج والنجوم الكبار لهم مكانتهم وتاريخهم .. والإعلام الرياضي لم يكن بعيداً عن دائرة الصراع بل إن بعضه أصبح جزءا من المشكلة . فقد ظهرت برامج رياضية لا يبدو أن هدفها تقديم المعلومة أو التحليل أو النقد البناء بقدر ما تقوم على إثارة الرأي العام واستدعاء الخلافات وإعادة تدويرها بصورة مستمرة .. وكلما ارتفع صوت الخلاف ، زادت مساحة البرنامج وكلما اشتدت ازدادت المشاهدات والحديث عنها ..
وهنا تكمن الخطورة . فاللاعب أو المدرب أو الإداري الذي يدخل هذه المساحات الإعلامية يجب أن يدرك أنه قد يكون أداة في معركة لا علاقة له بها . وقد يبدأ الحديث برأي فني بسيط ثم يجد نفسه بعد دقائق مستدرجا إلى الإساءة لزميل أو مدرب أو لاعب أو إعلامي لتتحول جملة عابرة إلى أزمة جديدة وتتحول الخلافات الشخصية إلى قضية رأي عام .. ومن المؤسف أيضا أن بعض الإعلاميين دخلوا في صراعات مع زملائهم خصوصا بعد التغييرات التي تجريها المؤسسات الرياضية مع كل إدارة أو اتحاد جديد . وهذه التغييرات في أصلها أمر طبيعي فمن غير المنطقي أن يعمل إعلامي في مؤسسة ما طوال الدهر ، وأن تبقى المواقع والمهام حكرا على أسماء محددة .. كما أن من حق الإدارة الجديدة أن تختار فريق العمل الذي تراه مناسبا لمرحلتها ، ومن الطبيعي أن يأخذ زميل آخر دوره في وقت لاحق .. المشكلة ليست في التغيير وإنما في طريقة التعامل معه .. فمن يخسر موقعا إعلاميا لا ينبغي أن يحول الخلاف المهني إلى معركة شخصية ومن يتولى المسؤولية الجديدة لا ينبغي أن ينظر إلى من سبقه باعتباره خصما يجب إقصاؤه أو التشهير به .. الرياضة تعلمنا أن الأدوار تتغير وأن من يقف على منصة اليوم قد يكون خارجها غدا وأن احترام الزميل يجب أن يبقى قائما مهما اختلفت المواقع ..
لقد طغت كثرة اللقاءات والتصريحات الإعلامية على المشهد الرياضي بصورة لافتة حتى أصبحنا أحيانا نقرأ عن التصريحات أكثر مما نقرأ عن العمل ونتابع الخلافات أكثر مما نتابع المباريات ونناقش الأشخاص أكثر مما نناقش المشاريع والبرامج الجديدة ...
وهنا تقع مسؤولية كبيرة على الإعلام ..
فالإعلام الرياضي ليس ساحة لتصفية الحسابات ولا ينبغي أن يتحول الميكروفون إلى وسيلة لإشعال الخلافات بين أبناء الأسرة الرياضية الواحدة .. النقد حق بل هو ضرورة ، لكن النقد شيء والتسقيط شيء آخر . كشف الأخطاء شيء والتشهير بالأشخاص شيء آخر الاختلاف في الرأي شيء وتحويل الزميل إلى عدو شيء مختلف تماما ...
كما أن على لاعبينا ومدربينا وإداريينا أن يكونوا أكثر حذرا في التعامل مع بعض المنابر .. ليس كل من يفتح الميكروفون يريد الحقيقة وليس كل سؤال بريء وليس كل برنامج يبحث عن مصلحة الرياضة .. أحياناً يكون الهدف واضحا استدراج الضيف إلى موقف أو تصريح يمكن استخدامه لاحقا في معركة شخصية ..
وما يؤسف له أن بعض أبناء الرياضة يقعون في هذا الفخ فيستدرجون للإساءة إلى زملائهم في الملاعب أو المدربين أو حتى الإعلاميين ، ثم لا يلبث الأمر أن يتحول إلى سجال جديد ، تتسع دائرته وتدخل فيه أسماء أخرى بينما تبقى الرياضة هي الخاسر الأكبر ... نحن بحاجة إلى استعادة معنى الروح الرياضية خارج الملعب أيضا .. فالاختلاف لا يعني العداء والنقد لا يعني الكراهية، وتغيير المواقع لا يعني إسقاط التاريخ ونجاح شخص لا يعني فشل الآخرين .. كما أن الدفاع عن لاعب أو مدرب أو مسؤول لا ينبغي أن يتحول إلى حرب على كل من يختلف معه ..
الرياضة العراقية تحتاج اليوم أكثر هدوءا وإعلام أكثر مهنية ولاعبين ومدربين أكثر وعيا ومسؤولين يدركون أن مواقعهم مؤقتة ، وأن التاريخ لا يحتفظ إلا بما يقدمه الإنسان من عمل حقيقي ...
أما أن يتحول الوسط الرياضي إلى ساحات متقابلة ، كل طرف فيها يبحث عن خصمه ويترصد زلته فهذه ليست منافسة رياضية وإنما حالة مؤسفة من الصراع الشخصي الذي لا ينتج إلا مزيدا من الانقسام ..
أما آن الأوان أن نتوقف قليلا ونسأل أنفسنا : إلى أين نريد أن نصل ..؟
هل نريد رياضة تجمع أبناءها مهما اختلفت مواقعهم أم نريدها ساحة مفتوحة للتسقيط وتصفية الحسابات ..؟
فالكرة العراقية أكبر من الأشخاص والمنتخب أكبر من الأسماء وتاريخنا الرياضي ليس ملكا لجيل دون آخر والإعلام الحقيقي لا يحتاج إلى خصومة كي يثبت حضوره .. نحتاج إلى أن نختلف لكن باحترام .. وأن ننتقد لكن بضمير . وأن نمارس العمل الإعلامي، لكن بعيداً عن التحريض والاستدراج .... لأن الرياضة حين تفقد رقيها تفقد أهم ما يميزها عن أي صراع آخر .