الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التعليم الأهلي .. شراكة وطنية تستحق الإنصاف

بواسطة azzaman

التعليم الأهلي .. شراكة وطنية تستحق الإنصاف

قصي الرشيد

 

«الأوطان لا تبنى بأسماء المؤسسات، بل بالعقول التي تتخرج منها، وبما تمتلكه من قدرة على خدمة المجتمع وصناعة المستقبل.»

لم يعد التعليم الأهلي في العراق تفصيلا هامشيا في منظومة التعليم العالي، ولا خيارا اضطراريا يلجأ إليه الطالب بعد تعذر حصوله على مقعد في التعليم الحكومي. فقد فرض حضوره خلال السنوات الماضية بوصفه أحد مكونات المشهد التعليمي العراقي، وأصبح شريكا في استيعاب أعداد كبيرة من الطلبة، وفي إعداد أجيال جديدة تدخل سوق العمل في مختلف الاختصاصات.

ومن هنا، فإن النظر إلى التعليم الأهلي من زاوية واحدة، أو اختزاله في فكرة البديل عن التعليم الحكومي، لم يعد منصفا للواقع ولا منسجما مع التحولات التي شهدها قطاع التعليم العالي في العراق.

شراكة فاعلة

أسهمت الجامعات والكليات الأهلية في إتاحة فرص التعليم العالي لآلاف الطلبة، ووفرت مساحات عمل لعدد كبير من التدريسيين والباحثين والموظفين والمدربيين ، فضلا عن رفد مؤسسات الدولة والقطاع الخاص بخريجين يعملون في مجالات متعددة، من الطب والهندسة إلى الإدارة والاقتصاد والإعلام وتقنيات المعلومات وغيرها.

ولذلك فإن تقييم تجربة التعليم الأهلي ينبغي ألا ينطلق من هوية المؤسسة وحدها، بل من طبيعة ما تقدمه للطالب والمجتمع، ومن قدرتها على صناعة بيئة تعليمية حقيقية تواكب متطلبات العصر.

فالمؤسسة التعليمية، في نهاية المطاف، لا تقاس بالاسم الذي تحمله، وإنما بما تنتجه من معرفة، وما توفره من تعليم، وما يحققه خريجوها من حضور وكفاءة في الحياة العملية.

معيار الجودة

إن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرح عند تقييم أي جامعة أو كلية ليس: هل هي حكومية أم أهلية؟ بل: ما مستوى التعليم الذي تقدمه؟

وهنا تتقدم مجموعة من المعايير التي يفترض أن تكون أساسا لأي تقييم موضوعي، وفي مقدمتها جودة المناهج، وكفاءة التدريسيين، والبيئة التعليمية، ومستوى التدريب العملي، والبحث العلمي، فضلا عن قدرة الخريجين على المنافسة في سوق العمل.

فالنجاح الأكاديمي لا تصنعه صفة «حكومي» أو «أهلي» وحدها، كما أن التعثر المهني لا يرتبط بالضرورة بنوع المؤسسة التي تخرج منها الطالب. إنما تتداخل في صناعة النجاح عوامل كثيرة، يبدأ بعضها من الطالب نفسه، ويمتد إلى الأستاذ والمنهج والبيئة التعليمية والفرص التي توفرها المؤسسة أمام طلبتها.ولهذا، فإن الإنصاف يقتضي أن تكون الكفاءة هي اللغة المشتركة التي نتعامل بها مع جميع مؤسسات التعليم العالي.

من الشهادة إلى المهارة

العراق اليوم لا يحتاج إلى زيادة أعداد حملة الشهادات فحسب، بقدر حاجته إلى خريجين يمتلكون المعرفة والمهارة والقدرة على التعامل مع متغيرات سوق العمل.

وهنا تقع مسؤولية كبيرة على عاتق مؤسسات التعليم الأهلي، كما تقع على التعليم العالي بصورة عامة، في الانتقال من التعليم الذي يركز على الجانب النظري إلى تعليم يمنح الطالب فرصة حقيقية للتطبيق والممارسة.

فتحديث المناهج، وتوسيع برامج التدريب، وربط الدراسة باحتياجات سوق العمل، وبناء شراكات مع المؤسسات والشركات، وتشجيع الابتكار والمبادرات الطلابية، كلها خطوات تجعل الشهادة الجامعية أكثر من مجرد وثيقة؛ تجعلها بداية لمسار مهني قادر على الإنتاج والعطاء.

مسؤولية مشتركة

وفي المقابل، فإن تطور التعليم الأهلي لا يمكن أن يكون مسؤولية المؤسسات وحدها. فالدولة معنية بوضع الإطار الذي يضمن جودة هذا القطاع، من خلال التشجيع والدعم من جهة، والرقابة الأكاديمية والمهنية الصارمة من جهة أخرى. فالرقابة الحقيقية لا تعني التضييق، كما أن الدعم لا يعني التساهل.

إنما المطلوب هو معادلة متوازنة تحمي حق الطالب في تعليم رصين، وتدفع المؤسسات الجادة إلى التطور، وتضع حدا لأي ممارسة تسيء إلى سمعة التعليم أو تنتقص من قيمة الشهادة الجامعية.

كما أن تعزيز التعليم داخل العراق يسهم في توفير خيارات أوسع للطلبة وأسرهم، ويقلل من الحاجة إلى إنفاق الأموال على الدراسة خارج البلاد، فضلا عن إتاحة فرص أكبر لبقاء الطاقات الشابة والاستفادة منها داخل المجتمع.

لا للتعميم... نعم للتقييم العادل

إن الإنصاف في الحديث عن التعليم الأهلي لا يعني التغاضي عن مواطن الخلل أو منح جميع المؤسسات شهادة جودة مسبقة.

فكما توجد مؤسسات أهلية جادة استطاعت أن تبني لنفسها حضورا أكاديميا محترما، فإن هناك مؤسسات أخرى تحتاج إلى تطوير ومراجعة وتصحيح لمسارها. وهذا أمر طبيعي في أي تجربة تعليمية واسعة، لكنه لا يبرر إطلاق الأحكام العامة على القطاع بأكمله.

فالعدالة تقتضي أن يحاسب المقصر، وأن تدعم المؤسسة الناجحة، وأن يمنح الطالب حقه في تعليم جيد، بعيدا عن التصنيفات المسبقة والانطباعات التي قد لا تعكس حقيقة المستوى الأكاديمي.لقد آن الأوان لأن ننتقل من سؤال: «حكومي أم أهلي؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «ماذا يقدم هذا التعليم للطالب؟ وماذا يضيف للمجتمع؟»

فالمستقبل لا يحتاج إلى شهادات تحمل أسماء مؤسسات فحسب، بل إلى عقول قادرة على التفكير، ومهارات قادرة على الإنتاج، وخريجين يستطيعون أن يحولوا ما تعلموه إلى قيمة حقيقية في المجتمع.

ومن هنا، فإن التعليم الأهلي في العراق لا يحتاج إلى مجاملة، بقدر ما يحتاج إلى إنصاف، إنصاف المؤسسات الجادة، وإنصاف الأساتذة الذين يعملون فيها، وإنصاف الطلبة الذين اختاروا مساراتهم التعليمية، والأهم من ذلك كله، إنصاف فكرة التعليم نفسها، بوصفها استثمارا وطنيا في الإنسان قبل أن تكون استثمارا في المؤسسات.


مشاهدات 69
الكاتب قصي الرشيد
أضيف 2026/08/18 - 4:16 PM
آخر تحديث 2026/08/19 - 1:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 106 الشهر 20810 الكلي 16110514
الوقت الآن
الأربعاء 2026/8/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير