هدایا المجوس الثلاثة
نبز شهرزوري
تُعد أسطورة بيرسيوس وميدوسا واحدة من أشهر الحكايات الكلاسيكية في الميثولوجيا الإغريقية. وتتمحور حول البطل بيرسيوس الذي كُلّف بمهمة خطيرة، تمثلت في قطع رأس ميدوسا، تلك المرأة الأسطورية التي كانت تحوّل كل من يجرؤ على النظر مباشرة إلى عينيها إلى حجر.
ليست كل الأساطير حكايات عن زمن مضى، فبعضها يبقى حياً لأنه يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة في كل عصر. وتروي الأسطورة أن محاربين أقوياء وأبطالاً كثيرين حاولوا مواجهة ميدوسا، لكن مصيرهم كان واحداً؛ إذ تحوّلوا إلى صخور وتماثيل صامتة، لم يبقَ منها سوى شاهد على فشلهم الأبدي.
وفي وسط تلك الأنقاض، وبين الأحلام المهشمة والمحاولات الفاشلة، ظهر بيرسيوس مرتدياً درعه البرونزي، ومسلحاً بالشجاعة والحكمة، فتمكن من مواجهة ميدوسا وقطع رأسها، لينهي بذلك أسطورة الرعب التي أحاطت بها وأعادة للجزیرة هیبتها .
ولعل العراق اليوم يقف أمام «ميدوسا» من نوع آخر.
فهي ليست مخلوقاً أسطورياً، بل منظومة معقدة من الفساد والمحسوبية والبيروقراطية، يضاف إليها السلاح المنفلت وضعف القانون وتراجع هيبة الدولة. هل ستواجه الحکومة، كما واجه بيرسيوس ميدوسا، ذلك الوحش متعدد الرؤوس، أم ستتحول هي الأخرى إلى مجرد تمثال صامت يضاف إلى تماثيل المحاولات السابقة؟
وكل من حاول الاقتراب من هذه المنظومة، أو وعد بالقضاء عليها، اصطدم بجدرانها الصلبة، حتى تحولت الوعود، إلى شعارات، والشعارات إلى بيانات، والبيانات إلى أرشيف لا يغير من واقع البلاد شيئاً.
لقد تعاقبت الحكومات، وتعددت البرامج، وامتلأت المنابر بالحديث عن الإصلاح ومكافحة الفساد وبناء الدولة. وكان كل طرف يدخل المعركة متسلحاً بوعود كبيرة، ويتحدث عن بطولات وإنجازات قبل أن تبدأ المعركة أصلاً. لكن السؤال الذي يطرحه العراقيون اليوم لا يتعلق بحجم الشعارات، بل بحجم النتائج.
فهل تستطيع الحكومة أن تكون «بيرسيوس» هذه المرة؟
هل تمتلك الإرادة الكافية لمواجهة ميدوسا الفساد، وهل سيكون القانون هو الدرع البرونزي الذي تحتمي به في مواجهة القوى التي اعتادت أن تكون أقوى من الدولة؟ وهل تستطيع قطع رؤوس المحسوبية والفساد؟.
فكثيرون ممن تباهوا بقدرتهم على حل هذا اللغز انتهى بهم الأمر إلى صخور صامتة، لا حول لهم ولا قوة إلا إصدار البيانات وترديد الشعارات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فلا تزيد البلاد خيراً ولا تدفع عنها ضرراً.
واللافت أن معظم القوى السياسية تعلن دعمها لخطوات الحكومة في مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة وترسيخ سيادة القانون. لكن التجربة العراقية علمتنا أن المسافة بين إعلان الدعم والدعم الفعلي قد تكون طويلة. فالإصلاح غالباً ما يكون مقبولاً ما دام بعيداً عن مصالح القوى النافذة، لكنه يصبح موضع خلاف عندما يقترب من امتيازاتها ومصادر نفوذها.
أما الشارع العراقي، فإنه يترقب النتائج الفعلية للإصلاحات وتحسين الواقع الخدمي الموعود، لأن ما تشهده البلاد من تفش للفساد والانهيار المالي يتطلب إجراءات وطنية حاسمة .
ومن هنا تأتي رمزية هدايا المجوس الثلاثة، ففي الرواية الواردة في (إنجيل متى)، قدم المجوس ثلاث هدايا قیمة، عند البشارة بميلاد السيد المسيح، وکان بني اسرائیل ینظرون الی الهدایا، على أنها رموز دينية وتاريخية عظيمة الشأن، أما العراقيون اليوم، ينتظرون هدایا قیمة للبلاد والعباد من حكومتهم ایضا وهي ان تستعید الدولة هيبتها، ولا سلاح أعلى من سلطة القانون ومحاسبة الفاسدین و إعادة الحقوق إلى أصحابها .