تركنا الفندق عند الظهيرة، كأننا نغادر مخدعًا صغيرًا من السكينة نحو عالمٍ آخر، بحثًا عن مطعمٍ عربي يعيد إلينا مذاق الشرق الذي اشتقنا له كثيرًا. قالت زوجتي إن صديقة لها من سنغافورة أخبرتها عن مطعمٍ يقدم الوجبات العربية يحمل اسم **الحاجة آمنة**. بحثت عنه ابنتي حُسنى في خريطة هاتفها، وما هي إلا لحظات حتى هتفت بأن المكان لا يبعد سوى عشر دقائق إذا ما ركبنا الحافلة، وأشارت بيدها إلى مظلة وقوفٍ لم تكن بعيدة عن أنظارنا. لفت نظري نظافة الشارع الذي نمشي عليه؛ برغم محلاته المتواضعة، كانت تشبه حوانيت الباب الشرقي في بغداد، كأن الذاكرة تمدّ يدها لتربت على قلبي. وعرفت أن الفندق الذي أقمنا فيه يقع في منطقة شعبية، ففرحت في سري؛ إذ إنني أعشق الأمكنة الشعبية، وأشعر بتوافقٍ روحي معها، كأنها تحتضنني بلا شروط. ركبنا الحافلة التي أنزلتنا أمام مطعم الحاجة آمنة بعد أقل من عشر دقائق. وجدنا المطعم مزدحمًا إلى آخره، ولم يكن فيه مقعد واحد بلا زبون، بينما امتد طابور طويل ينتظر دوره لتناول الطعام. كانت الأطعمة معروضة داخل صندوقٍ زجاجي مستطيل بطولٍ يقارب العشرين مترًا، كأنها صفٌّ من الألوان المتراصة، وحين تصل إلى واجهته تشير بيدك إلى ما ترغب بتناوله، ولك أن تختار أكثر من صنفٍ مما تشتهيه نفسك. حين وصل دورنا، وجدنا أنفسنا في حيرةٍ لا تُحسد؛ كانت الوجبات غريبة ولم نألفها من قبل، بينما اختار أبنائي أطباقهم بسهولة، وانتهت حُسنى وعليّا ومُزكّى من تناول طعامهم ونحن ما زلنا نتطلع إلى الأطباق كأنها ألغازٌ شرقية لا نفكّ شيفرتها. الجوع كان يزقزق في بطني مثل عصافير تبحث عن فتات، لكننا فشلنا في اختيار أي طبق من الأصناف التي تجاوزت العشرين نوعًا، إذ لم يكن منظرها مألوفًا لنا. أما أبنائي فقد شبعوا من طبق المعكرونة الممزوجة بشرائح لحم البقر وصلصة الطماطم الحارة. أخرجت مذكرتي من حقيبة الظهر أبحث عن المعلومات التي دوّنتها عن سنغافورة، ومررت عليها بسرعة حتى هتفت:
-هيا إلى شارع العرب.
ركبنا حافلة أخرى لم نبقَ على مقاعدها طويلاً، إذ سرعان ما هبطنا منها إلى شارع العرب. كان الشارع أشبه بخطٍّ طويل من الروائح واللهجات؛ مطاعم اللبنانيين متلاصقة، وفي الجانب الآخر مطاعم اليمن وسوريا ومصر، لكن لا أثر لمطعم عراقي. آهٍ لو أعثر على طبقٍ من تشريب لحم الغنم أو من حساءِ الفاصوليا الآن. كان عمّال المطاعم اللبنانية يهجمون علينا بلهجتهم المحببة وهم يدعوننا لتناول الطعام عندهم، فأقدّم اعتذاري بنبرةٍ خجولة، لأني كنت أبحث عن مطعمٍ عراقي، لكن مسعاي خاب بعد أن تجولنا في الشارع من بدايته حتى نهايته. أخيرًا دخلنا مطعمًا يمنيًا صغيرًا وتناولنا دجاج المندي. كان الطعام لذيذًا، لكن شيئًا في داخلي كان يتمنى لو أن وجبتي مؤلفة من الكباب المشوي مع الخبز العراقي؛ ذلك الخبز الذي يحمل رائحة البيوت، ويجعل الغريب يشعر للحظةٍ أنه عاد إلى وطنه.
يتبع…