الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تطواف‭ ‬الغريب‭ ‬32

بواسطة azzaman

تطواف‭ ‬الغريب‭ ‬32

حسن النواب

 

تركنا‭ ‬الفندق‭ ‬عند‭ ‬الظهيرة،‭ ‬كأننا‭ ‬نغادر‭ ‬مخدعًا‭ ‬صغيرًا‭ ‬من‭ ‬السكينة‭ ‬نحو‭ ‬عالمٍ‭ ‬آخر،‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬مطعمٍ‭ ‬عربي‭ ‬يعيد‭ ‬إلينا‭ ‬مذاق‭ ‬الشرق‭ ‬الذي‭ ‬اشتقنا‭ ‬له‭ ‬كثيرًا‭. ‬قالت‭ ‬زوجتي‭ ‬إن‭ ‬صديقة‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬سنغافورة‭ ‬أخبرتها‭ ‬عن‭ ‬مطعمٍ‭ ‬يقدم‭ ‬الوجبات‭ ‬العربية‭ ‬يحمل‭ ‬اسم‭ ‬**الحاجة‭ ‬آمنة**.‭ ‬بحثت‭ ‬عنه‭ ‬ابنتي‭ ‬حُسنى‭ ‬في‭ ‬خريطة‭ ‬هاتفها،‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬لحظات‭ ‬حتى‭ ‬هتفت‭ ‬بأن‭ ‬المكان‭ ‬لا‭ ‬يبعد‭ ‬سوى‭ ‬عشر‭ ‬دقائق‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬ركبنا‭ ‬الحافلة،‭ ‬وأشارت‭ ‬بيدها‭ ‬إلى‭ ‬مظلة‭ ‬وقوفٍ‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬أنظارنا‭. ‬لفت‭ ‬نظري‭ ‬نظافة‭ ‬الشارع‭ ‬الذي‭ ‬نمشي‭ ‬عليه؛‭ ‬برغم‭ ‬محلاته‭ ‬المتواضعة،‭ ‬كانت‭ ‬تشبه‭ ‬حوانيت‭ ‬الباب‭ ‬الشرقي‭ ‬في‭ ‬بغداد،‭ ‬كأن‭ ‬الذاكرة‭ ‬تمدّ‭ ‬يدها‭ ‬لتربت‭ ‬على‭ ‬قلبي‭. ‬وعرفت‭ ‬أن‭ ‬الفندق‭ ‬الذي‭ ‬أقمنا‭ ‬فيه‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬شعبية،‭ ‬ففرحت‭ ‬في‭ ‬سري؛‭ ‬إذ‭ ‬إنني‭ ‬أعشق‭ ‬الأمكنة‭ ‬الشعبية،‭ ‬وأشعر‭ ‬بتوافقٍ‭ ‬روحي‭ ‬معها،‭ ‬كأنها‭ ‬تحتضنني‭ ‬بلا‭ ‬شروط‭. ‬ركبنا‭ ‬الحافلة‭ ‬التي‭ ‬أنزلتنا‭ ‬أمام‭ ‬مطعم‭ ‬الحاجة‭ ‬آمنة‭ ‬بعد‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬عشر‭ ‬دقائق‭. ‬وجدنا‭ ‬المطعم‭ ‬مزدحمًا‭ ‬إلى‭ ‬آخره،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬فيه‭ ‬مقعد‭ ‬واحد‭ ‬بلا‭ ‬زبون،‭ ‬بينما‭ ‬امتد‭ ‬طابور‭ ‬طويل‭ ‬ينتظر‭ ‬دوره‭ ‬لتناول‭ ‬الطعام‭. ‬كانت‭ ‬الأطعمة‭ ‬معروضة‭ ‬داخل‭ ‬صندوقٍ‭ ‬زجاجي‭ ‬مستطيل‭ ‬بطولٍ‭ ‬يقارب‭ ‬العشرين‭ ‬مترًا،‭ ‬كأنها‭ ‬صفٌّ‭ ‬من‭ ‬الألوان‭ ‬المتراصة،‭ ‬وحين‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬واجهته‭ ‬تشير‭ ‬بيدك‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬ترغب‭ ‬بتناوله،‭ ‬ولك‭ ‬أن‭ ‬تختار‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬صنفٍ‭ ‬مما‭ ‬تشتهيه‭ ‬نفسك‭. ‬حين‭ ‬وصل‭ ‬دورنا،‭ ‬وجدنا‭ ‬أنفسنا‭ ‬في‭ ‬حيرةٍ‭ ‬لا‭ ‬تُحسد؛‭ ‬كانت‭ ‬الوجبات‭ ‬غريبة‭ ‬ولم‭ ‬نألفها‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬بينما‭ ‬اختار‭ ‬أبنائي‭ ‬أطباقهم‭ ‬بسهولة،‭ ‬وانتهت‭ ‬حُسنى‭ ‬وعليّا‭ ‬ومُزكّى‭ ‬من‭ ‬تناول‭ ‬طعامهم‭ ‬ونحن‭ ‬ما‭ ‬زلنا‭ ‬نتطلع‭ ‬إلى‭ ‬الأطباق‭ ‬كأنها‭ ‬ألغازٌ‭ ‬شرقية‭ ‬لا‭ ‬نفكّ‭ ‬شيفرتها‭. ‬الجوع‭ ‬كان‭ ‬يزقزق‭ ‬في‭ ‬بطني‭ ‬مثل‭ ‬عصافير‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬فتات،‭ ‬لكننا‭ ‬فشلنا‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬أي‭ ‬طبق‭ ‬من‭ ‬الأصناف‭ ‬التي‭ ‬تجاوزت‭ ‬العشرين‭ ‬نوعًا،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬منظرها‭ ‬مألوفًا‭ ‬لنا‭. ‬أما‭ ‬أبنائي‭ ‬فقد‭ ‬شبعوا‭ ‬من‭ ‬طبق‭ ‬المعكرونة‭ ‬الممزوجة‭ ‬بشرائح‭ ‬لحم‭ ‬البقر‭ ‬وصلصة‭ ‬الطماطم‭ ‬الحارة‭. ‬أخرجت‭ ‬مذكرتي‭ ‬من‭ ‬حقيبة‭ ‬الظهر‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬دوّنتها‭ ‬عن‭ ‬سنغافورة،‭ ‬ومررت‭ ‬عليها‭ ‬بسرعة‭ ‬حتى‭ ‬هتفت‭:‬

‭-‬هيا‭ ‬إلى‭ ‬شارع‭ ‬العرب‭.‬

ركبنا‭ ‬حافلة‭ ‬أخرى‭ ‬لم‭ ‬نبقَ‭ ‬على‭ ‬مقاعدها‭ ‬طويلاً،‭ ‬إذ‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬هبطنا‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬شارع‭ ‬العرب‭. ‬كان‭ ‬الشارع‭ ‬أشبه‭ ‬بخطٍّ‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬الروائح‭ ‬واللهجات؛‭ ‬مطاعم‭ ‬اللبنانيين‭ ‬متلاصقة،‭ ‬وفي‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬مطاعم‭ ‬اليمن‭ ‬وسوريا‭ ‬ومصر،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬أثر‭ ‬لمطعم‭ ‬عراقي‭. ‬آهٍ‭ ‬لو‭ ‬أعثر‭ ‬على‭ ‬طبقٍ‭ ‬من‭ ‬تشريب‭ ‬لحم‭ ‬الغنم‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬حساءِ‭ ‬الفاصوليا‭ ‬الآن‭. ‬كان‭ ‬عمّال‭ ‬المطاعم‭ ‬اللبنانية‭ ‬يهجمون‭ ‬علينا‭ ‬بلهجتهم‭ ‬المحببة‭ ‬وهم‭ ‬يدعوننا‭ ‬لتناول‭ ‬الطعام‭ ‬عندهم،‭ ‬فأقدّم‭ ‬اعتذاري‭ ‬بنبرةٍ‭ ‬خجولة،‭ ‬لأني‭ ‬كنت‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬مطعمٍ‭ ‬عراقي،‭ ‬لكن‭ ‬مسعاي‭ ‬خاب‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تجولنا‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬من‭ ‬بدايته‭ ‬حتى‭ ‬نهايته‭. ‬أخيرًا‭ ‬دخلنا‭ ‬مطعمًا‭ ‬يمنيًا‭ ‬صغيرًا‭ ‬وتناولنا‭ ‬دجاج‭ ‬المندي‭. ‬كان‭ ‬الطعام‭ ‬لذيذًا،‭ ‬لكن‭ ‬شيئًا‭ ‬في‭ ‬داخلي‭ ‬كان‭ ‬يتمنى‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬وجبتي‭ ‬مؤلفة‭ ‬من‭ ‬الكباب‭ ‬المشوي‭ ‬مع‭ ‬الخبز‭ ‬العراقي؛‭ ‬ذلك‭ ‬الخبز‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬رائحة‭ ‬البيوت،‭ ‬ويجعل‭ ‬الغريب‭ ‬يشعر‭ ‬للحظةٍ‭ ‬أنه‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬وطنه‭.‬

يتبع‮…‬‭  ‬


مشاهدات 18
الكاتب حسن النواب
أضيف 2026/08/17 - 2:21 PM
آخر تحديث 2026/08/18 - 1:19 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 96 الشهر 19409 الكلي 16109113
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/8/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير