مشروع الإستثمار الشخصي في الوظيفة العامة
سلمان النقاش
توقفت عند الباب سيارات سوداء، انتشر رجال حماية، تحرك بعض الحاضرين لاستقباله، اتسعت له المقاعد، تقدمت التحيات، تغير شيء من إيقاع المجلس، يعرف الحاضرون أنه صاحب منصب مهم، واسع العلاقات، قادر على الوصول إلى أصحاب القرار، وأن مكالمة منه قد تفتح بابا يصعب فتحه.
في العرف السائد، تبدو علامات النجاح مكتملة، مال، علاقات، مساحة واسعة للحركة، وحماية. والمفارقة أن الرجل يقود مؤسسة يعرف الحاضرون أنفسهم أنها لا تحقق نتائج منتظرة.
قيمة شخصية
لم يمنع فشل المؤسسة صاحبها من النجاح، فكيف أمكن للقيمة الشخصية لشاغل الموقع أن تنمو، فيما تتراجع القيمة التي تنتجها المؤسسة التي يقودها؟
هذا السؤال يفتح منطقة قلقة في فهم علاقة الفرد بالعام، المصلحة العامة، خصوصا في بلد يستوعب قطاعه العام نحو 40 في المئة من مجموع العاملين، إذ يشير صندوق النقد الدولي إلى أن عدد العاملين في القطاع العام والأجور الاسمية نما خلال عقدين بمعدلين سنويين يقاربان 7 و12 في المئة على التوالي، متجاوزين نمو الاقتصاد والقوة العاملة بفارق كبير.
الأربعون في المئة تكشف حجما اجتماعيا يتجاوز سوق العمل، الدولة بهذا الاتساع واحدة من أكبر منتجي الدخل والمكانة والفرص والعلاقات في المجتمع، وطريقة الوصول إلى مواردها تصبح جزءا من تشكيل السلوك الاجتماعي نفسه.
ويضيف مؤشر مدركات الفساد زاوية قلق أخرى لهذه الأسئلة، فقد سجل العراق في مؤشر 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية 28 درجة من 100، وحل في المرتبة 136 من أصل 182 دولة، ويكتسب الرقم دلالته الأعمق من النسق الذي يقرأ فيه الفساد، فالمؤشر يبنى من مصادر مستقلة تقيس تصورات الخبراء ورجال الأعمال لفساد القطاع العام، وتأتي بعض هذه المصادر من مؤسسات بحثية كبرى تشتغل كذلك على الديمقراطية والحوكمة وسيادة القانون والمساءلة والحريات.
قوة عامة
هنا يغادر الفساد صورته الأكثر مباشرة، صورة المال الذي ينتقل من يد إلى أخرى، ويدخل في سؤال أكثر اتساعا، كيف تدار القوة العامة؟ من يستطيع مساءلتها؟ ومن يستطيع تحويل جزء منها إلى قيمة خاصة، استثمار شخصي؟
مفهوم الاستثمار في قطاع الأعمال يبدأ بفكرة مشروع، يحسب الكلفة والمخاطرة والعائد وهامش الربح، يتحرك نحو تعظيم قيمته الخاصة، فيما يرسم القانون حدود هذه الحركة عند تقاطعها مع حقوق المجتمع ومصالحه.
أما القطاع العام فقد نشأ ابتداء لإنتاج قيمة اجتماعية، الدولة تجمع الموارد وتمنح الصلاحيات وتنشئ المؤسسات لتعليم الناس وعلاجهم ونقلهم وحماية حقوقهم وتنظيم السوق وحماية المال العام، ومن أجل هذه الغايات تضع تحت يد الموظف والمسؤول رأسمالا بالغ القيمة، المنصب، والصلاحية، والمعلومة، والموازنة، والموظفين، والعلاقات، والقدرة على الوصول والتأثير والمنح والمنع.
النجاح في العرف السائد له علامات يقرأها الناس بسهولة، المال، والعلاقات، واتساع مساحة الحركة، والحماية، وحين يستطيع الموقع العام إنتاج هذه العناصر لصاحبه، يصبح الموقع قابلا للاستثمار الشخصي.
الصلاحية تنتج علاقات، والعلاقات توسع مساحة الحركة، واتساع الحركة يقرب صاحبها من مراكز القوة، والحماية التي توفرها الشبكة تصون ما تحقق وتتيح توسيعه، وهكذا تتراكم حول الشخص قيمة مصدرها الأول موقع عام، فيما تصبح صلته بالنتيجة الاجتماعية للمؤسسة أقل حسما في تقرير نجاحه.
وهنا يقع الفرق الجوهري بين الاستثمارين، المستثمر الخاص يضع رأسماله تحت احتمال الربح والخسارة.
فيما يدخل المستثمر الشخصي إلى مساحة وفر المجتمع رأسمالها الأصلي، ثم يستطيع أن يخرج منها برأسمال خاص من النفوذ والعلاقات والمكانة والحماية، وكلما أمكن لهذا الرصيد أن ينمو مستقلا عن نتيجة المؤسسة، أصبح ممكنا أن ينجح صاحب الموقع فيما تفشل وظيفته الاجتماعية.
ويكتسب قياس الأثر هنا معنى أكبر من كونه تقنية إدارية، أو أسلوب علاقات عامة، فهو يعيد وصل النشاط بغايته، ويعيد تعريف نجاح المؤسسة بما أحدثته خارج جدرانها، تستطيع المؤسسة أن تحصي مشاريعها وورشها ومؤتمراتها وخططها وتقاريرها وحملاتها، فيما يسأل الأثر عن القيمة التي بقيت بعد انقضاء النشاط، وحين يضعف هذا السؤال، تستطيع القوالب أن تستمر حتى بعد أن تفقد الغاية التي منحتها معناها.
فحين تتحرك قوى نافذة للاستثمار الخاص في المساحة العامة، فإنها تقدم لمن هم دونها نموذجا مشاهدا للنجاح، النفوذ ينتج منفعة، والمنفعة توسع العلاقات، والعلاقات توفر الحماية، والحماية تمنح مساحة جديدة للحركة.
يصبح الاحتماء بمركز القوة خطوة تسبق أحيانا بناء القوة الشخصية، يجد صاحب الموقع الأصغر مظلة أعلى منه، ثم يستخدم المساحة التي وفرتها له لبناء دائرة أصغر تحته، وما حصل عليه في الأعلى بوصفه حماية، يمنحه في الأسفل بوصفه نفوذا.
وهكذا تنمو الشبكة رأسيا، كل مستوى يستمد جزءا من قوته ممن فوقه، ويصنع جزءا منها بمن هم تحته.
التحقيقات الجارية في قضية وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي تقدم مادة واقعية تستحق القراءة من هذه الزاوية، ضمن الحدود التي تسمح بها الوقائع القضائية المعلنة والتحقيق المستمر.
فقد أعلن مجلس القضاء الأعلى أن القضية بدأت بإخبارات عن إنفاق مبالغ كبيرة لدعم دعايات انتخابية باستغلال موارد الدولة وبدعم من شخصيات نافذة، ثم تحدث عن تورط متهمين من أعضاء مجلس النواب في استغلال موارد الدولة والانتفاع من العقود الحكومية للحصول على عمولات ومنافع شخصية مباشرة أو بالواسطة، وأشار إلى أن التحقيقات شملت شخصيات سياسية وأطرافا أخرى.
وفي وقت سابق أعلن القضاء ما ضبط من مليارات الدنانير وملايين الدولارات وأكوام المجوهرات ضمن متابعة متحصلات القضية والمتورطين فيها.
حجم الأموال يلفت النظر، لكن هندسة العلاقة أكثر اتصالا بموضوعنا، مورد عام، موقع إداري، عقود حكومية، منفعة خاصة، شخصيات نافذة، وأطراف متعددة.
في مثل هذه البيئة يتلقى الموظف درسا عمليا في معنى القوة، يرى كيف تنتج العلاقة حماية، وكيف توسع الحماية مساحة الحركة، وكيف يستطيع الموقع أن يراكم قيمة حول صاحبه تتجاوز حدود وظيفته.
وللمنفعة العامة مفارقة لا تخدم دائما صاحبها، حين تصل إلى الجميع بوصفها حقا، لا تصنع لصانعها زبائن، الموظف الذي يطبق القانون بالتساوي يعيد الحق إلى صاحبه وتنتهي العلاقة عند هذا الحد، أما القدرة على صناعة الاستثناء، أو تسريع ما يمكن تعطيله، فتحول الموقع إلى مورد شخصي، فالاستثناء يصنع دينا، والدين يصنع علاقة، والعلاقة قابلة للتحول إلى شبكة.
لهذا يستطيع التحكم في الأداء، في بيئة مختلة، أن يكون أكثر ربحا لصاحبه من جودة الأداء نفسه، وقد يجد الموظف المهني نفسه مهمشا أو مثارا للإشفاق، فيما يحتفظ صاحب المساحة بصورة الرجل الناجح، عندها يكون الخلل قد تجاوز الإدارة إلى معيار النجاح نفسه.
والملفت أن الناس تدرك الفشل، تعرف حال المدرسة والمستشفى والطريق والمؤسسة، وتتداوله في البيوت والمقاهي ومواقع التواصل، وتصنع منه النقد والسخرية، ويبقى هذا الإدراك علامة على وجود معيار اجتماعي يعرف أن النتيجة أقل مما ينبغي.
يبحث المواطن عن العلاقة قبل الطريق الرسمي، ويبحث الموظف عن الحماية قبل نتيجة عمله، وتتطور خبرة اجتماعية كاملة في معرفة الأشخاص والمداخل والمخارج، ما كان خللا مطلوبا إصلاحه يتحول بالتدريج إلى بيئة يمكن الحركة داخلها والاستفادة منها.
يصبح الفشل نفسه موردا، فكلما تعطلت الطرق الطبيعية للحصول على الحق أو الخدمة، ازدادت قيمة من يملك القدرة على فتحها، وكلما ضعفت المؤسسة، اتسعت المساحة التي تتحرك فيها العلاقات والاستثناءات والحماية، عندها لا يعود الخلل مجرد نتيجة سلبية يتحملها المجتمع، وإنما ينتج فرصا ومنافع لمن يستطيع إدارة هذا الخلل واستثماره، فالمؤسسة الكفوءة تقلل الحاجة إلى الوسيط، وتضيق مساحة الاستثناء، وتجعل الحصول على الحق مرتبطا بالقانون والإجراء، بينما ترفع المؤسسة المتعثرة قيمة النفوذ والعلاقة والقدرة على تجاوز التعطيل، وبهذا ينشأ خلل أعمق في معيار النجاح، يصبح إصلاح المؤسسة مهددا للمورد الذي صنعه فشلها لبعض الأفراد والشبكات، فتتكون داخلها مصالح تجد في استمرار التعثر منفعة تستحق الحماية.
ويزداد السؤال ثقلا كلما انتقلنا من المؤسسات التي تقدم خدمة إلى المؤسسات التي تصنع الثقافة والسلوك، ويبلغ ذروته في المؤسسات التي تنتج الرقابة نفسها.
فالرقابة تقف في أحد المواضع الحاسمة التي تعيد القطاع العام إلى غايته، ويظهر نجاحها في قدرتها على تغيير البيئة التي تنتج الفساد، زيادة مخاطر استغلال الوظيفة، ورفع احتمالات الكشف، وتضييق مساحة الحماية، وتوسيع قدرة المواطن والمجتمع على السؤال والمساءلة.
ومن هنا تكتسب مشاركة المجتمع المدني موقعها في منظومة النزاهة، فالمادة 13 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، والتي انضم إليها العراق، تجعل مشاركة الأفراد والجماعات خارج القطاع العام، ومنها المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، جزءا من الوقاية من الفساد ومكافحته.
وجود المجتمع في هذه المعادلة يضيف إلى الرقابة شيئا جوهريا، عينا لا تستمد موقعها من المؤسسة التي تنظر إليها.
الحروب وعدم الاستقرار والاقتصاد الريعي والنمو السكاني وشح المياه وضعف التخطيط والبنى التحتية والقدرات المؤسسية كلها حاضرة في تفسير تعثر قطاعات أساسية في العراق، ومفهوم «الاستثمار الشخصي في العام» يبحث في طبقة أخرى من المشكلة، الآلية التي تسمح للفشل بأن يعيد إنتاج نفسه بعدما يصبح مدركا، وتخصص الموارد لمعالجته، وتنشأ المؤسسات والخطط لمواجهته.
فالخلل لا يوزع خسائره بالتساوي، قد يخسر المجتمع من النتيجة، فيما يربح أفراد وشبكات من المساحة التي يفتحها ضعف النتيجة.
حين تنتج الكفاءة والنتيجة مكانة وترقية ونفوذا وحماية، تتحرك المصلحة الشخصية في اتجاه الغاية العامة، وحين يستطيع مسار آخر أن ينتج المال والعلاقات ومساحة الحركة والحماية بكفاءة أكبر، تبدأ المؤسسة في حمل نظامين في داخلها، نظام معلن تحكمه الغايات، ونظام فعلي تحكمه العوائد.
ومع الوقت قد يصبح الثاني أكثر قدرة على اجتذاب الأفراد وحماية نفسه وإعادة إنتاج شروط بقائه.
لهذا يمتد إصلاح العام أبعد من استرداد المال الذي خرج منه، إنه يستدعي البحث في القيمة التي انحرفت داخله، والحوافز التي جعلت الانحراف مربحا، والشبكات التي جعلته محميا، والمعيار الاجتماعي الذي منحه صورة النجاح.
فالعام مساحة صنعها المجتمع كي ينتج بها قيمة مشتركة.
وأشد صور فشله رسوخا تبدأ حين يصبح النجاح الشخصي داخله ممكنا من دون نجاحه الاجتماعي.