الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تطوافُ‭ ‬الغريب‭ ‬‭(‬25‭)‬

بواسطة azzaman

تطوافُ‭ ‬الغريب‭ ‬‭(‬25‭)‬

حسن النواب

 

اسمُها‭ ‬مقهى‭ ‬القمر،‭ ‬لا‭ ‬تبعد‭ ‬عن‭ ‬بيتي‭ ‬سوى‭ ‬مئاتِ‭ ‬الأمتار،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬ظلّتْ‭ ‬بعيدةً‭ ‬عن‭ ‬خطواتي‭ ‬كأنّ‭ ‬بيني‭ ‬وبينها‭ ‬طبقةً‭ ‬شفيفةً‭ ‬من‭ ‬الغربة‭. ‬لم‭ ‬أدخلها‭ ‬إلّا‭ ‬مرّتَين‭ ‬طوال‭ ‬إقامتي‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬بيرث؛‭ ‬الأولى‭ ‬بعد‭ ‬سنةٍ‭ ‬ونصف‭ ‬من‭ ‬وصولي،‭ ‬يوم‭ ‬حملتُ‭ ‬قصائدَ‭ ‬المنفى‭ ‬بثيابها‭ ‬الإنكليزية‭ ‬وقرأتُها‭ ‬هناك‭ ‬كمن‭ ‬يجرّب‭ ‬صوتَه‭ ‬في‭ ‬هواءٍ‭ ‬جديد‭. ‬أمّا‭ ‬الزيارةُ‭ ‬الثانية،‭ ‬مطلعَ‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬فقد‭ ‬جاءت‭ ‬كعودةٍ‭ ‬خجولة،‭ ‬لأكتشف‭ ‬أنّ‭ ‬الشعراء‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬يتذكّرون‭ ‬اسمي‭ ‬وقصائدي،‭ ‬كأنّ‭ ‬الكلمات‭ ‬التي‭ ‬ألقيتُها‭ ‬قبل‭ ‬سنواتٍ‭ ‬بقيت‭ ‬معلّقةً‭ ‬في‭ ‬سقف‭ ‬المكان‭ ‬تنتظرني‭. ‬كانوا‭ ‬شعراءَ‭ ‬محترفين،‭ ‬نشر‭ ‬معظمُهم‭ ‬دواوينَ‭ ‬عديدة،‭ ‬وبعضُهم‭ ‬يحمل‭ ‬جوائزَ‭ ‬شعريةً‭ ‬مرموقة‭. ‬يفدون‭ ‬إلى‭ ‬مقهى‭ ‬القمر‭ ‬كلَّ‭ ‬ظهيرةِ‭ ‬سبت،‭ ‬ويتّخذون‭ ‬من‭ ‬المساحة‭ ‬الخلفية‭ ‬ــ‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يعلوها‭ ‬سقفٌ‭ ‬من‭ ‬ألواحِ‭ ‬البلاستيك‭ ‬ــ‭ ‬بيتًا‭ ‬صغيرًا‭ ‬للشعر‭. ‬هناك‭ ‬يقرأون‭ ‬نصوصَهم،‭ ‬ويتبادلون‭ ‬دفءَ‭ ‬الأصوات،‭ ‬ويصنعون‭ ‬من‭ ‬المكان‭ ‬طقسًا‭ ‬يشبه‭ ‬صلاةً‭ ‬جماعيةً‭ ‬للخيال‭. ‬يتجاوز‭ ‬عددُ‭ ‬المنتسبين‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المقهى‭ ‬المئةَ‭ ‬والخمسين‭: ‬شعراءَ،‭ ‬نقّادًا،‭ ‬رسّامين،‭ ‬ممثّلين،‭ ‬مخرجين‭ ‬سينمائيين،‭ ‬ومصوّرين‭ ‬فوتوغرافيين‭. ‬يدفعون‭ ‬إيجارَ‭ ‬المكان‭ ‬من‭ ‬تبرّعاتهم،‭ ‬أمّا‭ ‬أنا‭ ‬فلم‭ ‬أدفع‭ ‬شيئًا؛‭ ‬كنتُ‭ ‬ضيفًا‭ ‬عابرًا‭ ‬يحمل‭ ‬بلادَه‭ ‬في‭ ‬حقيبة‭ ‬القلب‭ ‬وينتظر‭ ‬يومَ‭ ‬العودة‭. ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬المكان‭ ‬مسرحٌ‭ ‬صغير،‭ ‬بمكبّراتِ‭ ‬صوتٍ‭ ‬متواضعة،‭ ‬يقف‭ ‬عليه‭ ‬الشعراءُ‭ ‬كلَّ‭ ‬سبت‭ ‬ليطلقوا‭ ‬قصائدَهم‭ ‬في‭ ‬الهواء‭. ‬واللافت‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬المقهى‭ ‬صار‭ ‬نقطةَ‭ ‬التقاءٍ‭ ‬لشعراءِ‭ ‬العالم‭: ‬من‭ ‬أوروبا‭ ‬وأمريكا،‭ ‬من‭ ‬آسيا،‭ ‬من‭ ‬بيرو‭ ‬وكندا‭ ‬وهولندا‭ ‬وبلغاريا‭ ‬وألمانيا،‭ ‬ومن‭ ‬سنغافورة‭ ‬والصين‭ ‬واليابان،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬من‭ ‬الأبروجنول،‭ ‬سكّانِ‭ ‬أستراليا‭ ‬الأصليّين‭. ‬خليطٌ‭ ‬ساحرٌ‭ ‬من‭ ‬الأصوات،‭ ‬كأنّ‭ ‬العالم‭ ‬كلَّه‭ ‬يجلس‭ ‬في‭ ‬غرفةٍ‭ ‬واحدة‭ ‬ويتبادل‭ ‬الأنخابَ‭ ‬والقصائد‭. ‬حين‭ ‬جلستُ‭ ‬بينهم‭ ‬شعرتُ‭ ‬بندمٍ‭ ‬ثقيلٍ‭ ‬لأنني‭ ‬انقطعتُ‭ ‬عنهم‭ ‬عامًا‭ ‬كاملًا‭. ‬اقترب‭ ‬منّي‭ ‬شاعرٌ‭ ‬أسترالي،‭ ‬وأخبرني‭ ‬أنّه‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يحتفظ‭ ‬بقصائدي‭ ‬التي‭ ‬قرأتُها‭ ‬قبل‭ ‬سنوات،‭ ‬وقد‭ ‬صنع‭ ‬منها‭ ‬بطاقاتٍ‭ ‬ملوّنة‭ ‬وضع‭ ‬عليها‭ ‬مقاطعَ‭ ‬من‭ ‬شعري‭. ‬شعرتُ‭ ‬بالخجل،‭ ‬كأنّ‭ ‬أحدَهم‭ ‬أعاد‭ ‬إليّ‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬نفسي‭ ‬كنتُ‭ ‬قد‭ ‬تركتُه‭ ‬هناك‭ ‬دون‭ ‬انتباه‭. ‬ولأخفّف‭ ‬وطأةَ‭ ‬الموقف‭ ‬قلتُ‭ ‬له‭ ‬بقلبٍ‭ ‬مكلوم‭ ‬إنني‭ ‬سأكتب‭ ‬مقالًا‭ ‬عن‭ ‬مقهى‭ ‬القمر‭. ‬هذا‭ ‬الشاعرُ‭ ‬نفسه‭ ‬يقدّم‭ ‬برنامجًا‭ ‬ثقافيًا‭ ‬على‭ ‬قناة‭ ‬‮«‬SBS‮»‬‭ ‬كلَّ‭ ‬أسبوع‭. ‬فكّرتُ‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬قليلًا‭: ‬لو‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬بلادي،‭ ‬ربما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬سيردّ‭ ‬على‭ ‬تحيتي‭ ‬تكبّرًا‭. ‬هنا،‭ ‬التواضع‭ ‬ليس‭ ‬سلوكًا‭ ‬اجتماعيًا‭ ‬بل‭ ‬طبيعةَ‭ ‬روح؛‭ ‬أرواحٌ‭ ‬خاليةٌ‭ ‬من‭ ‬العقد‭ ‬والغيرة،‭ ‬تصفّق‭ ‬حتى‭ ‬للشاعر‭ ‬الذي‭ ‬تبدو‭ ‬قصيدتُه‭ ‬كهواءٍ‭ ‬في‭ ‬شبك،‭ ‬لأنهم‭ ‬يؤمنون‭ ‬أنّ‭ ‬الشعر‭ ‬يعلو‭ ‬حينًا‭ ‬ويهبط‭ ‬حينًا،‭ ‬وأنّ‭ ‬التصفيق‭ ‬ليس‭ ‬مكافأةً‭ ‬بل‭ ‬تشجيعًا‭ ‬للقصيدة‭ ‬القادمة‭. ‬قلتُ‭ ‬لهم‭ ‬يومها‭: ‬أنتم‭ ‬تصفّقون‭ ‬لكلِّ‭ ‬قصيدة؛‭ ‬وهذا‭ ‬يذكّرني‭ ‬بمهرجانِ‭ ‬المربد‭ ‬في‭ ‬بلادي،‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬التصفيق‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الطقوس‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬الشعر‭. ‬فعلّق‭ ‬الشاعرُ‭ ‬بيتر‭ ‬جفري،‭ ‬المسؤولُ‭ ‬عن‭ ‬ربيعِ‭ ‬الشعر‭ ‬الأسترالي‭:‬

‭- ‬نحن‭ ‬نصفّق‭ ‬للشعر‭ ‬الذي‭ ‬نأمل‭ ‬أن‭ ‬يولد‭ ‬مستقبلًا‭ ‬من‭ ‬الشاعر‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬الظهيرة‭ ‬قرأ‭ ‬شاعرٌ‭ ‬ذو‭ ‬ملامحَ‭ ‬منغولية‭ ‬توقيعاتٍ‭ ‬شعريةً‭ ‬قصيرة،‭ ‬قال‭ ‬في‭ ‬إحداها‭:‬

‮«‬‭ ‬الشعرُ‭ ‬الذي‭ ‬يشبه‭ ‬الشعر،‭  ‬

مثل‭ ‬النارِ‭ ‬التي‭ ‬تشبه‭ ‬النار‭.‬‮»‬

ثم‭ ‬صعد‭ ‬شاعرٌ‭ ‬سنغافوري‭ ‬يُدعى‭ ‬‮«‬Emil‭ ‬Koo‮»‬‭ ‬مع‭ ‬حبيبته‭ ‬الشاعرةِ‭ ‬الحسناء،‭ ‬فقرأ‭ ‬كلٌّ‭ ‬منهما‭ ‬قصيدة‭. ‬قال‭ ‬في‭ ‬قصيدته‭ ‬التي‭ ‬حملت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬‭ ‬ألف‭ ‬‮«‬‭:‬

‮«‬‭ ‬ألفُ‭ ‬فكرةٍ‭ ‬تسأل‭ ‬عنّي‭  ‬

ألفُ‭ ‬قصيدةٍ‭ ‬تبحث‭ ‬عنّي‭  ‬

ألفُ‭ ‬لوحةِ‭ ‬رسّامٍ‭ ‬تدعوني‭  ‬

ألفُ‭ ‬دعوةٍ‭ ‬موجّهةٌ‭ ‬إلى‭ ‬شعري‭  ‬

كلُّ‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬شيئًا‭  ‬

إذا‭ ‬ما‭ ‬تقبلين‭ ‬دعوتي‭ ‬على‭ ‬وجبةِ‭ ‬الفطورِ‭ ‬البسيطة‭.‬‮»‬

فيما‭ ‬قرأت‭ ‬حبيبته‭ ‬قصيدةً‭ ‬قصيرةً‭ ‬جدًّا‭ ‬قالت‭ ‬فيها‭:‬

‮«‬‭ ‬كنتُ‭ ‬جائعةً‭ ‬جدًّا‭  ‬

لقد‭ ‬أكلتُ‭ ‬وجبةَ‭ ‬الفطورِ‭ ‬كلَّها‭  ‬

أنا‭ ‬أشكرك‭  ‬

لكنّني‭ ‬ما‭ ‬زلتُ‭ ‬جائعة‭  ‬

إلى‭ ‬قبلةٍ‭ ‬من‭ ‬شفتيك‭ ‬عندما‭ ‬تصبح‭ ‬ساخنة‭.‬‮»‬

يتبع‭…‬


مشاهدات 60
الكاتب حسن النواب
أضيف 2026/06/29 - 2:39 PM
آخر تحديث 2026/06/30 - 5:04 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 319 الشهر 28755 الكلي 15904236
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير