اسمُها مقهى القمر، لا تبعد عن بيتي سوى مئاتِ الأمتار، ومع ذلك ظلّتْ بعيدةً عن خطواتي كأنّ بيني وبينها طبقةً شفيفةً من الغربة. لم أدخلها إلّا مرّتَين طوال إقامتي في مدينة بيرث؛ الأولى بعد سنةٍ ونصف من وصولي، يوم حملتُ قصائدَ المنفى بثيابها الإنكليزية وقرأتُها هناك كمن يجرّب صوتَه في هواءٍ جديد. أمّا الزيارةُ الثانية، مطلعَ هذا العام، فقد جاءت كعودةٍ خجولة، لأكتشف أنّ الشعراء ما زالوا يتذكّرون اسمي وقصائدي، كأنّ الكلمات التي ألقيتُها قبل سنواتٍ بقيت معلّقةً في سقف المكان تنتظرني. كانوا شعراءَ محترفين، نشر معظمُهم دواوينَ عديدة، وبعضُهم يحمل جوائزَ شعريةً مرموقة. يفدون إلى مقهى القمر كلَّ ظهيرةِ سبت، ويتّخذون من المساحة الخلفية ــ تلك التي يعلوها سقفٌ من ألواحِ البلاستيك ــ بيتًا صغيرًا للشعر. هناك يقرأون نصوصَهم، ويتبادلون دفءَ الأصوات، ويصنعون من المكان طقسًا يشبه صلاةً جماعيةً للخيال. يتجاوز عددُ المنتسبين إلى هذا المقهى المئةَ والخمسين: شعراءَ، نقّادًا، رسّامين، ممثّلين، مخرجين سينمائيين، ومصوّرين فوتوغرافيين. يدفعون إيجارَ المكان من تبرّعاتهم، أمّا أنا فلم أدفع شيئًا؛ كنتُ ضيفًا عابرًا يحمل بلادَه في حقيبة القلب وينتظر يومَ العودة. في زاوية المكان مسرحٌ صغير، بمكبّراتِ صوتٍ متواضعة، يقف عليه الشعراءُ كلَّ سبت ليطلقوا قصائدَهم في الهواء. واللافت أنّ هذا المقهى صار نقطةَ التقاءٍ لشعراءِ العالم: من أوروبا وأمريكا، من آسيا، من بيرو وكندا وهولندا وبلغاريا وألمانيا، ومن سنغافورة والصين واليابان، بل وحتى من الأبروجنول، سكّانِ أستراليا الأصليّين. خليطٌ ساحرٌ من الأصوات، كأنّ العالم كلَّه يجلس في غرفةٍ واحدة ويتبادل الأنخابَ والقصائد. حين جلستُ بينهم شعرتُ بندمٍ ثقيلٍ لأنني انقطعتُ عنهم عامًا كاملًا. اقترب منّي شاعرٌ أسترالي، وأخبرني أنّه ما زال يحتفظ بقصائدي التي قرأتُها قبل سنوات، وقد صنع منها بطاقاتٍ ملوّنة وضع عليها مقاطعَ من شعري. شعرتُ بالخجل، كأنّ أحدَهم أعاد إليّ جزءًا من نفسي كنتُ قد تركتُه هناك دون انتباه. ولأخفّف وطأةَ الموقف قلتُ له بقلبٍ مكلوم إنني سأكتب مقالًا عن مقهى القمر. هذا الشاعرُ نفسه يقدّم برنامجًا ثقافيًا على قناة «SBS» كلَّ أسبوع. فكّرتُ في الأمر قليلًا: لو كان في بلادي، ربما لم يكن سيردّ على تحيتي تكبّرًا. هنا، التواضع ليس سلوكًا اجتماعيًا بل طبيعةَ روح؛ أرواحٌ خاليةٌ من العقد والغيرة، تصفّق حتى للشاعر الذي تبدو قصيدتُه كهواءٍ في شبك، لأنهم يؤمنون أنّ الشعر يعلو حينًا ويهبط حينًا، وأنّ التصفيق ليس مكافأةً بل تشجيعًا للقصيدة القادمة. قلتُ لهم يومها: أنتم تصفّقون لكلِّ قصيدة؛ وهذا يذكّرني بمهرجانِ المربد في بلادي، حيث يكون التصفيق جزءًا من الطقوس لا من الشعر. فعلّق الشاعرُ بيتر جفري، المسؤولُ عن ربيعِ الشعر الأسترالي:
- نحن نصفّق للشعر الذي نأمل أن يولد مستقبلًا من الشاعر.
في تلك الظهيرة قرأ شاعرٌ ذو ملامحَ منغولية توقيعاتٍ شعريةً قصيرة، قال في إحداها:
« الشعرُ الذي يشبه الشعر،
مثل النارِ التي تشبه النار.»
ثم صعد شاعرٌ سنغافوري يُدعى «Emil Koo» مع حبيبته الشاعرةِ الحسناء، فقرأ كلٌّ منهما قصيدة. قال في قصيدته التي حملت عنوان « ألف «:
« ألفُ فكرةٍ تسأل عنّي
ألفُ قصيدةٍ تبحث عنّي
ألفُ لوحةِ رسّامٍ تدعوني
ألفُ دعوةٍ موجّهةٌ إلى شعري
كلُّ هذا لا يعني شيئًا
إذا ما تقبلين دعوتي على وجبةِ الفطورِ البسيطة.»
فيما قرأت حبيبته قصيدةً قصيرةً جدًّا قالت فيها:
« كنتُ جائعةً جدًّا
لقد أكلتُ وجبةَ الفطورِ كلَّها
أنا أشكرك
لكنّني ما زلتُ جائعة
إلى قبلةٍ من شفتيك عندما تصبح ساخنة.»
يتبع…