الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
طوبزاوه

بواسطة azzaman

طوبزاوه

سرحان محمد علي الكاكئي

 

في مكانٍ هادئٍ بين الجبال والسهول الخضراء، كانت تقع قرية جميلة تُسمّى طوبزاوه. كانت قرية صغيرة في حجمها، لكنها كبيرة في جمالها ومحبة أهلها. تحيط بها الأشجار من كل جانب، وتنتشر فيها الأزهار بألوانها المختلفة، بينما كانت الجبال البعيدة تحرسها كأنها سورٌ طبيعي يحميها من كل سوء.

كان الصباح في طوبزاوه يبدأ بطريقة لا تشبه أي مكان آخر. فما إن تظهر أول خيوط الشمس حتى تستيقظ العصافير فوق الأشجار، وتبدأ بتعاريدها الجميلة. كانت أصواتها تنتشر بين البيوت والحقول، فتملأ المكان حياةً وفرحًا، وكأنها تحيي أهل القرية مع بداية كل يوم جديد.

وكان الهواء في طوبزاوه نقيًا وعليلًا. يمر بين الأشجار ويحرك أوراقها برفق، ويحمل معه رائحة الأرض والزهور والأعشاب. وكان أهل القرية يحبون الجلوس في الصباح تحت الأشجار، يستمتعون بنسيمها وبصوت العصافير، بعيدًا عن ضجيج المدن وصخب الحياة.

لكن جمال طوبزاوه لم يكن في طبيعتها فقط، بل كان في ساكنيها.

كان أهل القرية من أعظم الناس في الأخلاق والكرم والشهامة. كانت أبواب بيوتهم مفتوحة للضيف، وقلوبهم مفتوحة لكل محتاج. إذا مرض أحد، وجد الجميع إلى جانبه، وإذا احتاج شخص إلى المساعدة، لم يتأخر أحد عن الوقوف معه.

كانوا يعيشون كأنهم عائلة واحدة، لا فرق بينهم. يفرحون معًا، ويحزنون معًا، ويتقاسمون ما لديهم من طعام وخير. فإذا جاء غريب إلى القرية، لم يشعر بالغربة طويلًا، لأن أهلها كانوا يستقبلونه بالمحبة والاحترام، ويقدمون له ما يستطيعون دون انتظار مقابل.

وفي أحد الأيام، هطلت أمطار غزيرة على طوبزاوه، واستمرت لساعات طويلة. امتلأت الطرق بالمياه، وتضررت بعض البيوت والحقول. شعر بعض الناس بالخوف، لكن أهل القرية لم يسمحوا للخوف أن يفرقهم.

خرج الرجال والشباب لمساعدة كبار السن، ونقلوا الطعام والماء إلى البيوت التي يصعب الوصول إليها. وساعدوا في إصلاح ما تضرر، بينما قامت النساء بإعداد الطعام وتوزيعه على العائلات التي احتاجت إليه.

وفي تلك الساعات الصعبة، ظهر معدن أهل طوبزاوه الحقيقي.

لم يفكر أحد في نفسه فقط، ولم يسأل أحد عمّا سيحصل عليه مقابل مساعدته. كان كل شخص يفكر في جاره، وكل بيت يفتح أبوابه لمن يحتاج إلى مكان آمن.

ومع طلوع الشمس في اليوم التالي، توقفت الأمطار، وبدأت الغيوم بالانقشاع. خرج أهل القرية إلى الطرقات والحقول، ورغم آثار المطر والتعب، كانت وجوههم تحمل شيئًا من الطمأنينة؛ فقد وقفوا معًا، وتجاوزوا المحنة معًا.

وبعد أيام قليلة، عادت طوبزاوه إلى جمالها. ازدادت الأرض خضرة، وامتلأت الأشجار بالأوراق، وظهرت الأزهار بين الحقول. وعادت العصافير إلى أغصانها، وبدأت تغني من جديد.

وفي صباح جميل، كان أحد كبار السن يجلس تحت شجرة كبيرة، وحوله مجموعة من الأطفال. نظر إلى القرية وقال لهم:

"انظروا جيدًا إلى طوبزاوه. قد ترون الأشجار والزهور والجبال، وقد تسمعون أصوات العصافير وتتنفسون الهواء النقي، ولكن تذكروا أن أجمل ما في هذه القرية هو الإنسان."

سأل أحد الأطفال:

"وكيف يكون الإنسان أجمل من كل هذا؟"

ابتسم وقال:

"لأن الشجرة تعطي الظل، ولكن الإنسان يعطي الأمان. والعصافير تمنحنا صوتًا جميلًا، ولكن الإنسان يمنحنا المحبة. والأرض تعطينا الطعام، ولكن الإنسان الكريم يعطي من قلبه قبل أن يعطي من يده." بقيت تلك الكلمات في قلوب الأطفال، وكبروا وهم يحملونها معهم. وعندما أصبحوا شبابًا، حافظوا على ما تعلموه؛ فظل أهل القرية متعاونين، وظلت أبوابهم مفتوحة، وظلت المحبة بينهم أقوى من أي خلاف. وكان المسافر الذي يزور طوبزاوه لأول مرة يشعر بشيء غريب وجميل. ما إن يدخل القرية حتى يستقبله الهواء النقي، وتحييه أصوات العصافير، ثم يلتقي بأهلها فيجد في وجوههم البساطة والطيبة والكرم. وكان كثير من الزوار يقولون إنهم لم يجدوا مكانًا يشعرون فيه بالراحة مثل طوبزاوه.

فالذي يدخلها متعبًا، يخرج منها مرتاح القلب.

والذي يدخلها حزينًا، يجد من يخفف عنه.

والذي يدخلها غريبًا، يخرج منها وهو يشعر أن له فيها أهلًا وأصدقاء. ومرت السنوات، وظلت طوبزاوه محافظة على جمالها. تغيرت بعض البيوت، وكبرت الأشجار، وتبدلت الطرق، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير: قلوب أهلها.

كانوا يؤمنون أن الإنسان لا يترك أثره بما يملك، بل بما يقدمه للآخرين. وكانوا يرون أن الكلمة الطيبة صدقة، ومساعدة المحتاج شرف، وإكرام الضيف واجب، والمحبة هي أساس الحياة. وفي كل مساء، عندما تميل الشمس نحو الغروب، كانت القرية تهدأ شيئًا فشيئًا. يجلس الناس أمام بيوتهم، ويعود العاملون من الحقول، ويلعب الأطفال في الطرقات، بينما تحلق العصافير فوق الأشجار قبل أن تعود إلى أعشاشها. وكان الهواء المسائي يمر بهدوء، يحمل معه أصوات الضحكات وأحاديث الناس، وكأن القرية كلها تتنفس في انسجام واحد.

وهكذا بقيت طوبزاوه حكاية جميلة؛ حكاية قرية تجمع بين جمال الطبيعة، ونقاء الهواء، وتعاريد العصافير، وطيبة الإنسان.

فمن زارها لم يتذكر أشجارها فقط، ولم يتذكر جبالها أو حقولها فقط، بل تذكر أهلها قبل كل شيء.

لأن طوبزاوه لم تكن مجرد قرية جميلة...

كانت مكانًا يسكنه أناس عظماء، جعلوا من المحبة وطنًا، ومن الكرم عادة، ومن مساعدة الآخرين طريقًا للحياة.

 


مشاهدات 46
الكاتب سرحان محمد علي الكاكئي
أضيف 2026/08/15 - 2:37 PM
آخر تحديث 2026/08/16 - 1:30 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 93 الشهر 16644 الكلي 16106348
الوقت الآن
الأحد 2026/8/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير