بعد انتقالنا إلى بيتنا الجديد في ضاحيةٍ هادئةٍ تُجاورُ المحيطَ الهندي، كان لا بدّ من استكشاف المكان، والتعرّف على مراكزِ التسوّق فيه، ومكتبته العامّة، والمركزِ الصحّي الذي نراجعه مجّانًا. فبعضُ المراكزِ الصحيّة تستحصل من المراجع مبلغًا لا يُستهانُ به لقاءَ زيارةِ الطبيب، ثمّ تُعيد نصفَه بعد أسبوع عبر دائرة الضريبة. غير أنّ معظمَ المهاجرين يفضّلون المراكزَ المجّانية، وأخصُّ منهم الفيتناميين؛ تراهم في كلِّ مركزٍ صحّي ينتظرون مقابلةَ الطبيب، كما لو أنّ أمراضَ العالم لا تجدُ لها مسكنًا إلاّ في أجسادهم، وكأنّهم يحملون على ظهورهم أرشيفًا كاملًا لوجعٍ لا يهدأ. ناهيك عن سعرِ الدواء الذي يكون رمزيًا ما دمتَ تحمل بطاقةَ «المِدِي كِير»، فيما تصلُك سنويًا رسالةٌ بالبريد تُخبرك بالغطاء المالي الذي تصرفه الحكومة مقابل علاج أسنانك. والحقّ أنّ تكلفتي على الحكومة قبل سنتين، لقاء وضعِ بعض الأسنانِ الصناعية وحشوِ بعضها الآخر بمادّة البلاتين، بلغت مبلغًا طائلًا لا أجرؤ على ذكره؛ كأنّ فمي صار متحفًا صغيرًا للمعادن اللامعة. ومنذ الأيام الأولى لانتقالنا، تعرّض ولدي الصغير لوعكةٍ صحّيةٍ حادّة تطلّبت نقله ليلًا إلى مشفى الأطفال. وبينما كنتُ أحرّك السيارة، فوجئتُ برجلٍ طويلِ القامة، بوجهٍ شمعيٍّ انعكس عليه نورُ المصابيح، يتقدّم نحوي ويسألني بلطفٍ بالغ إن كنتُ بحاجةٍ إلى مساعدة. بدا وجهه كأنّه شمعةٌ تمشي في العتمة، تُضيء ما حولها دون أن تطلب شيئًا. شكرته، وأخبرته بحالة ولدي، ويبدو أنّ صياحي على أمِّ الجهّال لتأخّرها في الصعود أثار انتباهه، فجاء ليقدّم يد العون. في مساء اليوم التالي، طُرق الباب، فرأيتُ الرجلَ نفسَه أمامي. ابتسم، وألقى تحيّةَ المساء، ثمّ وضع في يدي كيسًا من الخبز الطازج. عرفتُ محتواه بعد أن سألته عمّا في داخله، فقال: أنا قِسٌّ في كنيسةٍ قريبةٍ منكم، وداري يواجه منزلكم، وأشار إليه بيده، ثمّ تمنى لنا إقامةً طيبة في هذه المنطقة الجميلة. شكرته، وقبل أن أغلق الباب سألني بقلقٍ عن حالة ولدي، فأجبته أنّه يتحسّن. ربما يعتب بعضُ القرّاء الآن ويسألني موبّخًا: كيف لا تستقبله في منزلك وأنتَ العراقيُّ الذي شرب ماءَ الفرات؟ وأقول: إنّ منزلنا ساعة قدوم القِسّ كان في فوضى كاملة، ولم تستقرّ قطعُ الأثاث في أماكنها، وشعرتُ بالحرج لأنّي لا أعرف أين أستقبله؛ كان البيت يومها يشبه حقيبةً فُتِحت على عجل، فاندلقت منها الأشياء بلا نظام. بعد يومين، حضر مرةً أخرى، وأرشدني إلى شجرةٍ في حديقته تُنتج ثمر «الينكي دُنْيا» اللذيذ، وأخبرني وثمة ابتسامةٌ حنونةٌ تضيء وجهه: لك أن تقطف منها ما تشاء. كانت الشجرةُ واقفةً هناك كأنّها يدٌ ممدودة من الطبيعة، تُقدّم ثمرها بلا حساب. شكرته، ودعوته مع عائلته لوليمةِ عشاءٍ في منزلي، على أنغام المقام العراقي. شعر بالبهجة، لكنه اعتذر بأدبٍ جمّ لأنّ زوجته مصابةٌ بنزلةِ برد، ويخشى انتقالها إلى أفراد عائلتي. استمرّ القِسّ جون «وهذا اسمه» بحمل الخبز الطازج لنا كلَّ خميس. قلت له في آخر زيارة: إنّ دخلنا الشهري مقبول، ويمكنك أن تمنح الخبز لأناسٍ أحوجَ منّا. تبسّم بحرج، وقال: إنّي أوزّع الخبز على جميع البيوت القريبة من داري، تقرّبًا من سيّدنا المسيح، ولا علاقة لذلك بالمستوى المعيشي لتلك العوائل. أخبرته باعتزاز: نحن في بلدنا نوزّع الطعام على العوائل الفقيرة، خصوصًا في رمضان، تقرّبًا إلى الله. فأجاب: أجل… أجل، إنّها نفس فكرتي، كلّنا نسعى للتقرّب إلى الله. ولمّا سألته عن حالة زوجته، قال متحسّرًا: ما تزال أسيرةَ الأنفلونزا. تمنّيتُ لها الشفاء، وذكّرته بأنّ دعوتي لهما على العشاء ما تزال قائمة. في ذلك الوقت انشغل العالم الإسلامي بثورةِ غضبٍ على الفيلم المسيء للنبي «ص»، وبلغت تداعياته أستراليا، أطلّ القِسّ جون مساء الخميس يحمل كيسَ الخبز، وقد لاحظتُ على وجهه علاماتِ الخجل. لم أعلّق، حتى قال بصوتٍ مرتعشٍ بالحزن: سيدي… أقدّم اعتذاري عمّا جرى من إساءةٍ إلى نبيّكم محمد. كان صوته يومها يشبه حفيف أوراقٍ مبلّلة بالمطر. فوجئتُ باعتذاره، وطلبتُ منه الدخول، لكنهُ تردَّد قائلًا: زوجتي تحسّنت… سنأتي قريبًا لتناول العشاء معكم، ونقدّم اعتذارنا مرةً أخرى. حين انصرف القِسّ، رفعتُ رأسي إلى السماء اللامعة بالنجوم، لأقول مبتهلًا:
– كم أنتَ كريمٌ يا إلهي… لأنك جعلتني هنا، في مكانٍ تتجاور فيه القلوب كما تجتمع الطيور على شجرةٍ مثمرة.
يتبع…