الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تطواف‭ ‬الغريب‭ ‬‭(‬27‭)‬

بواسطة azzaman

تطواف‭ ‬الغريب‭ ‬‭(‬27‭)‬

حسن النواب

 

بعد‭ ‬انتقالنا‭ ‬إلى‭ ‬بيتنا‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬ضاحيةٍ‭ ‬هادئةٍ‭ ‬تُجاورُ‭ ‬المحيطَ‭ ‬الهندي،‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬استكشاف‭ ‬المكان،‭ ‬والتعرّف‭ ‬على‭ ‬مراكزِ‭ ‬التسوّق‭ ‬فيه،‭ ‬ومكتبته‭ ‬العامّة،‭ ‬والمركزِ‭ ‬الصحّي‭ ‬الذي‭ ‬نراجعه‭ ‬مجّانًا‭. ‬فبعضُ‭ ‬المراكزِ‭ ‬الصحيّة‭ ‬تستحصل‭ ‬من‭ ‬المراجع‭ ‬مبلغًا‭ ‬لا‭ ‬يُستهانُ‭ ‬به‭ ‬لقاءَ‭ ‬زيارةِ‭ ‬الطبيب،‭ ‬ثمّ‭ ‬تُعيد‭ ‬نصفَه‭ ‬بعد‭ ‬أسبوع‭ ‬عبر‭ ‬دائرة‭ ‬الضريبة‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬معظمَ‭ ‬المهاجرين‭ ‬يفضّلون‭ ‬المراكزَ‭ ‬المجّانية،‭ ‬وأخصُّ‭ ‬منهم‭ ‬الفيتناميين؛‭ ‬تراهم‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬مركزٍ‭ ‬صحّي‭ ‬ينتظرون‭ ‬مقابلةَ‭ ‬الطبيب،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنّ‭ ‬أمراضَ‭ ‬العالم‭ ‬لا‭ ‬تجدُ‭ ‬لها‭ ‬مسكنًا‭ ‬إلاّ‭ ‬في‭ ‬أجسادهم،‭ ‬وكأنّهم‭ ‬يحملون‭ ‬على‭ ‬ظهورهم‭ ‬أرشيفًا‭ ‬كاملًا‭ ‬لوجعٍ‭ ‬لا‭ ‬يهدأ‭. ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬سعرِ‭ ‬الدواء‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬رمزيًا‭ ‬ما‭ ‬دمتَ‭ ‬تحمل‭ ‬بطاقةَ‭ ‬‮«‬المِدِي‭ ‬كِير‮»‬،‭ ‬فيما‭ ‬تصلُك‭ ‬سنويًا‭ ‬رسالةٌ‭ ‬بالبريد‭ ‬تُخبرك‭ ‬بالغطاء‭ ‬المالي‭ ‬الذي‭ ‬تصرفه‭ ‬الحكومة‭ ‬مقابل‭ ‬علاج‭ ‬أسنانك‭. ‬والحقّ‭ ‬أنّ‭ ‬تكلفتي‭ ‬على‭ ‬الحكومة‭ ‬قبل‭ ‬سنتين،‭ ‬لقاء‭ ‬وضعِ‭ ‬بعض‭ ‬الأسنانِ‭ ‬الصناعية‭ ‬وحشوِ‭ ‬بعضها‭ ‬الآخر‭ ‬بمادّة‭ ‬البلاتين،‭ ‬بلغت‭ ‬مبلغًا‭ ‬طائلًا‭ ‬لا‭ ‬أجرؤ‭ ‬على‭ ‬ذكره؛‭ ‬كأنّ‭ ‬فمي‭ ‬صار‭ ‬متحفًا‭ ‬صغيرًا‭ ‬للمعادن‭ ‬اللامعة‭. ‬ومنذ‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬لانتقالنا،‭ ‬تعرّض‭ ‬ولدي‭ ‬الصغير‭ ‬لوعكةٍ‭ ‬صحّيةٍ‭ ‬حادّة‭ ‬تطلّبت‭ ‬نقله‭ ‬ليلًا‭ ‬إلى‭ ‬مشفى‭ ‬الأطفال‭. ‬وبينما‭ ‬كنتُ‭ ‬أحرّك‭ ‬السيارة،‭ ‬فوجئتُ‭ ‬برجلٍ‭ ‬طويلِ‭ ‬القامة،‭ ‬بوجهٍ‭ ‬شمعيٍّ‭ ‬انعكس‭ ‬عليه‭ ‬نورُ‭ ‬المصابيح،‭ ‬يتقدّم‭ ‬نحوي‭ ‬ويسألني‭ ‬بلطفٍ‭ ‬بالغ‭ ‬إن‭ ‬كنتُ‭ ‬بحاجةٍ‭ ‬إلى‭ ‬مساعدة‭. ‬بدا‭ ‬وجهه‭ ‬كأنّه‭ ‬شمعةٌ‭ ‬تمشي‭ ‬في‭ ‬العتمة،‭ ‬تُضيء‭ ‬ما‭ ‬حولها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تطلب‭ ‬شيئًا‭. ‬شكرته،‭ ‬وأخبرته‭ ‬بحالة‭ ‬ولدي،‭ ‬ويبدو‭ ‬أنّ‭ ‬صياحي‭ ‬على‭ ‬أمِّ‭ ‬الجهّال‭ ‬لتأخّرها‭ ‬في‭ ‬الصعود‭ ‬أثار‭ ‬انتباهه،‭ ‬فجاء‭ ‬ليقدّم‭ ‬يد‭ ‬العون‭. ‬في‭ ‬مساء‭ ‬اليوم‭ ‬التالي،‭ ‬طُرق‭ ‬الباب،‭ ‬فرأيتُ‭ ‬الرجلَ‭ ‬نفسَه‭ ‬أمامي‭. ‬ابتسم،‭ ‬وألقى‭ ‬تحيّةَ‭ ‬المساء،‭ ‬ثمّ‭ ‬وضع‭ ‬في‭ ‬يدي‭ ‬كيسًا‭ ‬من‭ ‬الخبز‭ ‬الطازج‭. ‬عرفتُ‭ ‬محتواه‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬سألته‭ ‬عمّا‭ ‬في‭ ‬داخله،‭ ‬فقال‭: ‬أنا‭ ‬قِسٌّ‭ ‬في‭ ‬كنيسةٍ‭ ‬قريبةٍ‭ ‬منكم،‭ ‬وداري‭ ‬يواجه‭ ‬منزلكم،‭ ‬وأشار‭ ‬إليه‭ ‬بيده،‭ ‬ثمّ‭ ‬تمنى‭ ‬لنا‭ ‬إقامةً‭ ‬طيبة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬الجميلة‭. ‬شكرته،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬أغلق‭ ‬الباب‭ ‬سألني‭ ‬بقلقٍ‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬ولدي،‭ ‬فأجبته‭ ‬أنّه‭ ‬يتحسّن‭. ‬ربما‭ ‬يعتب‭ ‬بعضُ‭ ‬القرّاء‭ ‬الآن‭ ‬ويسألني‭ ‬موبّخًا‭: ‬كيف‭ ‬لا‭ ‬تستقبله‭ ‬في‭ ‬منزلك‭ ‬وأنتَ‭ ‬العراقيُّ‭ ‬الذي‭ ‬شرب‭ ‬ماءَ‭ ‬الفرات؟‭ ‬وأقول‭: ‬إنّ‭ ‬منزلنا‭ ‬ساعة‭ ‬قدوم‭ ‬القِسّ‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬فوضى‭ ‬كاملة،‭ ‬ولم‭ ‬تستقرّ‭ ‬قطعُ‭ ‬الأثاث‭ ‬في‭ ‬أماكنها،‭ ‬وشعرتُ‭ ‬بالحرج‭ ‬لأنّي‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬أين‭ ‬أستقبله؛‭ ‬كان‭ ‬البيت‭ ‬يومها‭ ‬يشبه‭ ‬حقيبةً‭ ‬فُتِحت‭ ‬على‭ ‬عجل،‭ ‬فاندلقت‭ ‬منها‭ ‬الأشياء‭ ‬بلا‭ ‬نظام‭. ‬بعد‭ ‬يومين،‭ ‬حضر‭ ‬مرةً‭ ‬أخرى،‭ ‬وأرشدني‭ ‬إلى‭ ‬شجرةٍ‭ ‬في‭ ‬حديقته‭ ‬تُنتج‭ ‬ثمر‭ ‬‮«‬الينكي‭ ‬دُنْيا‮»‬‭ ‬اللذيذ،‭ ‬وأخبرني‭ ‬وثمة‭ ‬ابتسامةٌ‭ ‬حنونةٌ‭ ‬تضيء‭ ‬وجهه‭: ‬لك‭ ‬أن‭ ‬تقطف‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬تشاء‭. ‬كانت‭ ‬الشجرةُ‭ ‬واقفةً‭ ‬هناك‭ ‬كأنّها‭ ‬يدٌ‭ ‬ممدودة‭ ‬من‭ ‬الطبيعة،‭ ‬تُقدّم‭ ‬ثمرها‭ ‬بلا‭ ‬حساب‭. ‬شكرته،‭ ‬ودعوته‭ ‬مع‭ ‬عائلته‭ ‬لوليمةِ‭ ‬عشاءٍ‭ ‬في‭ ‬منزلي،‭ ‬على‭ ‬أنغام‭ ‬المقام‭ ‬العراقي‭. ‬شعر‭ ‬بالبهجة،‭ ‬لكنه‭ ‬اعتذر‭ ‬بأدبٍ‭ ‬جمّ‭ ‬لأنّ‭ ‬زوجته‭ ‬مصابةٌ‭ ‬بنزلةِ‭ ‬برد،‭ ‬ويخشى‭ ‬انتقالها‭ ‬إلى‭ ‬أفراد‭ ‬عائلتي‭. ‬استمرّ‭ ‬القِسّ‭ ‬جون‭ ‬‮«‬وهذا‭ ‬اسمه‮»‬‭ ‬بحمل‭ ‬الخبز‭ ‬الطازج‭ ‬لنا‭ ‬كلَّ‭ ‬خميس‭. ‬قلت‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬زيارة‭: ‬إنّ‭ ‬دخلنا‭ ‬الشهري‭ ‬مقبول،‭ ‬ويمكنك‭ ‬أن‭ ‬تمنح‭ ‬الخبز‭ ‬لأناسٍ‭ ‬أحوجَ‭ ‬منّا‭. ‬تبسّم‭ ‬بحرج،‭ ‬وقال‭: ‬إنّي‭ ‬أوزّع‭ ‬الخبز‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬البيوت‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬داري،‭ ‬تقرّبًا‭ ‬من‭ ‬سيّدنا‭ ‬المسيح،‭ ‬ولا‭ ‬علاقة‭ ‬لذلك‭ ‬بالمستوى‭ ‬المعيشي‭ ‬لتلك‭ ‬العوائل‭. ‬أخبرته‭ ‬باعتزاز‭: ‬نحن‭ ‬في‭ ‬بلدنا‭ ‬نوزّع‭ ‬الطعام‭ ‬على‭ ‬العوائل‭ ‬الفقيرة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬رمضان،‭ ‬تقرّبًا‭ ‬إلى‭ ‬الله‭. ‬فأجاب‭: ‬أجل‮…‬‭ ‬أجل،‭ ‬إنّها‭ ‬نفس‭ ‬فكرتي،‭ ‬كلّنا‭ ‬نسعى‭ ‬للتقرّب‭ ‬إلى‭ ‬الله‭. ‬ولمّا‭ ‬سألته‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬زوجته،‭ ‬قال‭ ‬متحسّرًا‭: ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬أسيرةَ‭ ‬الأنفلونزا‭. ‬تمنّيتُ‭ ‬لها‭ ‬الشفاء،‭ ‬وذكّرته‭ ‬بأنّ‭ ‬دعوتي‭ ‬لهما‭ ‬على‭ ‬العشاء‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬قائمة‭. ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬انشغل‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي‭ ‬بثورةِ‭ ‬غضبٍ‭ ‬على‭ ‬الفيلم‭ ‬المسيء‭ ‬للنبي‭ ‬‮«‬ص‮»‬،‭ ‬وبلغت‭ ‬تداعياته‭ ‬أستراليا،‭ ‬أطلّ‭ ‬القِسّ‭ ‬جون‭ ‬مساء‭ ‬الخميس‭ ‬يحمل‭ ‬كيسَ‭ ‬الخبز،‭ ‬وقد‭ ‬لاحظتُ‭ ‬على‭ ‬وجهه‭ ‬علاماتِ‭ ‬الخجل‭. ‬لم‭ ‬أعلّق،‭ ‬حتى‭ ‬قال‭ ‬بصوتٍ‭ ‬مرتعشٍ‭ ‬بالحزن‭: ‬سيدي‮…‬‭ ‬أقدّم‭ ‬اعتذاري‭ ‬عمّا‭ ‬جرى‭ ‬من‭ ‬إساءةٍ‭ ‬إلى‭ ‬نبيّكم‭ ‬محمد‭. ‬كان‭ ‬صوته‭ ‬يومها‭ ‬يشبه‭ ‬حفيف‭ ‬أوراقٍ‭ ‬مبلّلة‭ ‬بالمطر‭. ‬فوجئتُ‭ ‬باعتذاره،‭ ‬وطلبتُ‭ ‬منه‭ ‬الدخول،‭ ‬لكنهُ‭ ‬تردَّد‭ ‬قائلًا‭: ‬زوجتي‭ ‬تحسّنت‮…‬‭ ‬سنأتي‭ ‬قريبًا‭ ‬لتناول‭ ‬العشاء‭ ‬معكم،‭ ‬ونقدّم‭ ‬اعتذارنا‭ ‬مرةً‭ ‬أخرى‭. ‬حين‭ ‬انصرف‭ ‬القِسّ،‭ ‬رفعتُ‭ ‬رأسي‭ ‬إلى‭ ‬السماء‭ ‬اللامعة‭ ‬بالنجوم،‭ ‬لأقول‭ ‬مبتهلًا‭: ‬

–‭ ‬كم‭ ‬أنتَ‭ ‬كريمٌ‭ ‬يا‭ ‬إلهي‮…‬‭ ‬لأنك‭ ‬جعلتني‭ ‬هنا،‭ ‬في‭ ‬مكانٍ‭ ‬تتجاور‭ ‬فيه‭ ‬القلوب‭ ‬كما‭ ‬تجتمع‭ ‬الطيور‭ ‬على‭ ‬شجرةٍ‭ ‬مثمرة‭.‬

يتبع‮…‬‭  ‬


مشاهدات 12
الكاتب حسن النواب
أضيف 2026/07/13 - 2:37 PM
آخر تحديث 2026/07/14 - 2:08 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 193 الشهر 14164 الكلي 15919291
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير