الوجودية السياسية
محمد حمزة الجبوري
في السياسة لا تموت الدول حين تسقط جدرانها وحين تفقد معنى وجودها؛ الوجودية السياسية ليست مجرد صراع على السلطة ولا سباقاً على المناصب ولا لعبة أرقام بين الكتل؛ إنها السؤال الأكثر قسوة لماذا توجد الدولة؟ ولمن توجد وما الذي يبقى من معناها حين يتحول المواطن إلى رقم والوطن إلى ساحة مصالح؟ المشكلة في كثير من التجارب السياسية أن السلطة تبدأ بوصفها وسيلة لخدمة الدولة ثم تنتهي الدولة فيها بوصفها وسيلة لخدمة السلطة؛ وعند هذه النقطة يبدأ الانحراف الحقيقي ويبرز الوهن ويتجلى التراجع إذ تصبح القرارات مصممة لحماية مواقع السياسيين لا لحماية مستقبل البلاد ويصبح بقاء الحكومة أهم من بقاء الثقة بها، وبقاء المسؤول أهم من بقاء المشروع الوطني الوجودية السياسية في جوهرها هي أن تدرك النخبة الحاكمة أن السياسة ليست امتيازاً شخصياً بل مسؤولية تاريخية؛ فالمسؤول الذي لا يرى في منصبه سوى فرصة للبقاء، يختصر الدولة في شخصه أما رجل الدولة الحقيقي فيعرف أن المنصب عابر وأن ما يبقى هو أثر القرار في حياة الناس؛ ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب أي دولة هو أن تتحول السياسة فيها إلى إدارة للبقاء بدلاً من أن تكون صناعة للمستقبل؛ عندها تتكاثر الحلول المؤقتة وترحل الأزمات من حكومة إلى أخرى ومن برلمان إلى آخر حتى يصبح التأجيل سياسة والصمت موقفاً والانتظار استراتيجية؛ الدولة التي لا تمتلك مشروعاً واضحاً لاقتصادها وتعليمها وأمنها وخدماتها وشبابها ستجد نفسها مضطرة إلى استيراد مستقبلها من الآخرين؛ ومن هنا تبدأ التبعية لا عندما تتدخل الدول الكبرى في شؤونها بل عندما تعجز هي عن إنتاج قرارها المستقل السياسة بلا فكرة تتحول إلى مصالح والمصالح بلا ضوابط تتحول إلى نفوذ والنفوذ حين ينفصل عن القانون يتحول إلى دولة داخل الدولة؛ لهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين هذا السياسي وذاك ولا بين حزب وحزب ولا بين تحالف وتحالف؛ المعركة الأعمق هي بين فكرة الدولة وفكرة السلطة؛ بين من يريد دولة يعيش فيها الجميع ومن يريد دولة يعيش من خلالها؛ إن الوجودية السياسية التي نحتاجها اليوم هي أن يستعيد السياسي شعوره بأن هناك وطناً سيأتي بعده وأجيالاً ستقرأ قراراته وأن التاريخ لا يسأل كم سنة بقي في السلطة بل ماذا فعل خلال تلك السنوات؛ فالسلطة التي لا تنتج دولة أقوى منها ليست نجاحاً سياسياً؛ إنها مجرد إقامة مؤقتة في مبنى السلطة؛ وشتان بين مفهومي الهدم والبناء؛ والدول تبنى بقرار شجاع يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة وبسياسة تؤمن بأن المواطن ليس جمهوراً انتخابياً ينتهي دوره عند صندوق الاقتراع، وإنما هو جوهر الدولة وسبب وجودها على قيد الوعي والحياة؛ وفي النهاية سيبقى السؤال الذي لا تستطيع السياسة الهروب منه حين تنتهي المناصب ماذا سيبقى من الدولة؟هنا تحديداً تبدأ الوجودية السياسية وهنا يختبر رجال السياسة.