حسن النواب
اخترتُ جزيرةَ بالي كأنني أختارُ نافذةً أولى أطلُّ منها على العالم. كانت تذكرتُها الرخيصة، التي لا تتجاوزُ المائتي دولار، أشبهَ بورقةٍ تُفتح بها بوّابةٌ سرّية، فغادرتُ بيرث شهرًا كاملًا أتنقّلُ في طرقاتٍ تشبهُ أحلامًا تُدخَّن وتُشرب وتُلبَس. جزيرةٌ رخيصةٌ بكلِّ شيء، حتى بأبنائها الذين يعملون خَدَمًا لدى السائحين، كأنهم يقدّمون أعمارَهم على موائد الغرباء بثمنٍ لا يساوي تعبَ النهار. أربعُ ساعاتٍ من الطيران كانت كافيةً ليُسلَب لُبُّ الأستراليين بسحرِ تلك الجزيرة. بالي لا تنام؛ الحياةُ فيها تمشي على قدمين من ضوءٍ وضجيج، كأنَّ الشوارعَ نفسها تتنفس، والأسواقَ تنبض، والمتاجرَ تُصفّر مثل طيورٍ محبوسة في أقفاصٍ من الخشب والنيون. عندما خرجتُ من مطارها الصغير والأنيق، التفّ حولي أصحابُ التاكسي كزنابيرَ تبحثُ عن رحيقٍ بشريٍّ جديد. نهرتُهم بقسوةٍ لا أعرف من أين جاءت، ثم اتجهتُ نحو سائقٍ يجلسُ بعيدًا، كأنه حجرٌ أُهمل في زاويةٍ من العالم. طلبتُ منه أن يقلّني إلى الفندق دون مساومة، فقادني إلى فندقٍ آخر يحمل الاسمَ نفسه. هناك اكتشفتُ أنَّ المكان يستقبلُ المثليين، فشعرتُ كأنَّ الباب الذي دخلتُه ليس بابًا، بل فخًّا، فغادرتُه مسرعًا كمن يهرب من ظلٍّ لا يريد أن يراه. في الصباح، كانت الحوانيتُ الشعبية تُغويني مثل نساءٍ يلوّحن بأساورهن من بعيد. ملابسُ ملونة، حُليٌّ رخيصة، أقراطُ لؤلؤٍ مُزيّف، وسوارٌ فضّي اشتريتُه على عجلٍ وعلّقته حول معصمي كتعويذةٍ تُذكّرني بأنني ما زلتُ غريبًا. مائةُ دولارٍ أسترالي كانت تتحوّل هناك إلى مليونِ روبية، كأنَّ العملةَ نفسها تتكاثر مثل أسماكٍ صغيرة في بحرٍ دافئ. السجائرُ الفاخرة زهيدةٌ بشكلٍ يثيرُ الشك، وعلبةٌ واحدة في أستراليا تعادلُ عشرَ علبٍ في هذه الجزيرة التي تُخفي تحت رخصها أسرارًا كثيرة. أمام كلِّ حانوتٍ طبقٌ فضّي صغير، مملوءٌ بأزهارٍ صفرٍ وحُمر، وبخورٍ مشتعل، وقطعةِ بسكويت وحلوى. يرشُّ صاحبُ الحانوت ماءَ الورد عليه كأنَّه يوقظُ آلهةً نائمة. هذا الماعونُ المقدّس رأيتُه أمام حانةٍ ومتجرٍ ومطعمٍ وفندقٍ، وحتى فوق عربةٍ يجرّها حصانٌ ينقلُ السُّوّاح. الملاهي الليلية تضعُ عشراتِ الأطباقِ الفضّية أمام أبوابها، كأنها تُقدّم قرابينَ للظلام كي يفتحَ لها أبوابَ الربح. معظمُ أهالي الجزيرة هندوس، والمسلمون لا يتجاوزون العشرين بالمئة، لكن الأرواحَ هنا تتجاورُ بلا ضجيجٍ عقائديٍّ ظاهر. في ساحات المدينة، نُصُبٌ برونزيةٌ متقنة، آلهةٌ ترفعُ أذرعَها نحو السماء، كأنها تُمسكُ الهواءَ من عنقه. الفنُّ هنا ليس ترفًا، بل طريقةٌ للتنفس. مئاتُ المتاجر تعرضُ تماثيلَ من حجرٍ وخشب، نُحتت بأصابعٍ تعرفُ كيف تُحوّل الجمادَ إلى كائنٍ يتأملُك. أما الدراجاتُ النارية، فهي سيلٌ لا ينقطع. لا تمرُّ ثانيةٌ إلا وتخطفُ أمامك عشراتٌ منها، كأنَّ الشوارعَ نفسها تتحرك. عرفتُ من أحدِ السكان أنَّ عددَ الدراجات أكثرُ من ثلاثةِ ملايين، بينما عددُ النفوس أقلُّ من مليونين ونصف. وحين سألته: كيف يكون الحديدُ أكثرَ من اللحم؟ قال إنَّ بعضَهم يمتلكُ دراجتين؛ واحدةٌ للعمل وأخرى لحياته الخاصة، كأنَّ الإنسانَ هنا يحتاجُ وسيلتين كي يلحقَ بنفسه. الأسواقُ والحاناتُ والمطاعمُ والشوارعُ تزدحمُ بالأستراليين، كأنَّ الجزيرةَ صارت امتدادًا لبلادهم. بعضُهم قرّر الإقامةَ فيها، مستثمرًا أموالَه في صالونِ حلاقة أو فندقٍ أو متجرٍ أو مرقصٍ، كأنَّ بالي تمنحُ الذهبَ لمن يمدُّ يده. في يومٍ ما، رأيتُ قبيلةً مسلمةً تشيّع جنازةً في وسط المدينة. المشيّعون بأعدادٍ غفيرة، رؤوسٌ محلوقة، وملابسُ بلون التراب، والنعشُ مغطّى ببردةٍ ذهبية، مرفوعٌ على أعمدةٍ طويلة يحملُها أربعةُ فتيانٍ بعضلاتٍ مفتولة. بدا المشهدُ كأنَّ الجنازةَ ستطيرُ إلى السماء. توقفتْ حركةُ المرور، واصطفَّ الناسُ بخشوعٍ يلوّحون للنعش كأنهم يودّعون قمرًا يسقطُ من الليل. أخبرني السائقُ أنَّ المتوفّى رجلٌ بسيط، لكن القبيلةَ تستعرضُ قوتَها من خلال موته. فتذكرتُ تشييعَ شيخِ عشيرةٍ في مدينة صباي المناذرة، وكيف لعلع الرصاصُ يومها حتى امتلأ الشارعُ بظروفِ الطلقِ الفارغة، كأنَّ الموتَ نفسه كان يُصفّق. وفي يومٍ آخر، رأيتُ الهندوس يفترشون الأرصفةَ والحدائقَ والساحات، يمارسون صلاتَهم عند اكتمال القمر. حلقاتٌ منتظمة، أكاليلُ غارٍ حول الأعناق، وبخورٌ يتصاعدُ من موقدٍ ملتهبٍ وسط الدائرة. أخبرني أحدُهم أنهم يفعلون ذلك طمعًا بالرزق؛ فهم يستلمون رواتبَهم عندما يصبحُ القمرُ بدرًا، كأنَّ المالَ نفسه ابنٌ للضوء. أما المعابدُ المشيّدة وسط البحر، فكانت كأنها جزرٌ صغيرةٌ من الأسطورة. قبل الدخول، كان لا بدَّ من وضعِ وشاحٍ أصفر حول خصري أو رقبتي احترامًا لرموزهم. فتاةٌ هندوسيةٌ حسناءُ أهدتني وشاحَها ورافقتني في أروقةِ المعابدِ الموغلةِ بالقدم، بينما كانت القرودُ تنطُّ على الزائرين بحثًا عن موزٍ يشبهُ الغنيمة. ظلّت تلك الفتاةُ معي، جذبتْها ملامحي، وظنّت أني قادمٌ من الهند. وعندما غادرتُ الجزيرة، وصلتْ معي إلى المطار، فأهدتني باقةَ وردٍ رازقي، وانزلقتْ دمعةٌ لامعةٌ على خدِّها عندما ابتعدتُ عنها، كأنَّ الفراقَ نفسه يتركُ أثرًا يشبهُ وشمًا على الهواء.
يتبع…