الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تطواف‭ ‬الغريب‭ ‬‭(‬31‭)‬

بواسطة azzaman

تطواف‭ ‬الغريب‭ ‬‭(‬31‭)‬

حسن‭ ‬النواب

 

حلّقت‭ ‬بنا‭ ‬الطائرة‭ ‬من‭ ‬مطار‭ ‬بيرث‭ ‬في‭ ‬الساعة‭ ‬الواحدة‭ ‬بعد‭ ‬منتصف‭ ‬الليل،‭ ‬والسماء‭ ‬تمطر‭ ‬بهدوءٍ‭ ‬يشبه‭ ‬مناغاة‭ ‬أمٍّ‭ ‬لرضيعها،‭ ‬مع‭ ‬برقٍ‭ ‬خاطفٍ‭ ‬يضيء‭ ‬الأفق‭ ‬المترامي‭ ‬بين‭ ‬آونةٍ‭ ‬وأخرى‭ ‬كأنه‭ ‬توقيعٌ‭ ‬سماويٌّ‭ ‬على‭ ‬بداية‭ ‬الرحلة‭. ‬كانت‭ ‬طائرة‭ ‬الخطوط‭ ‬السنغافورية‭ ‬متينةً‭ ‬وأنيقة،‭ ‬وزاد‭ ‬من‭ ‬جمالها‭ ‬ابتسامة‭ ‬المضيفات‭ ‬اللواتي‭ ‬كنّ‭ ‬يعتنين‭ ‬بالأطفال‭ ‬كأنهنّ‭ ‬يربّتن‭ ‬على‭ ‬قلوبٍ‭ ‬صغيرة‭ ‬تخاف‭ ‬الغربة‭. ‬وكان‭ ‬نصيب‭ ‬ولدي‭ ‬الصغير‭ ‬حفنة‭ ‬هدايا‭ ‬من‭ ‬الألعاب‭ ‬ملأت‭ ‬حقيبته‭ ‬الصغيرة،‭ ‬كأن‭ ‬السماء‭ ‬تعوّضه‭ ‬عن‭ ‬سهر‭ ‬الليل‭. ‬بعد‭ ‬أربع‭ ‬ساعاتٍ‭ ‬ونصف‭ ‬من‭ ‬الطيران‭ ‬هبطنا‭ ‬في‭ ‬مطار‭ ‬سنغافورة‭ ‬البهيّ؛‭ ‬جدارياتٌ‭ ‬عملاقة‭ ‬مرسومة‭ ‬ببراعة‭ ‬تغطّي‭ ‬جدران‭ ‬الممر‭ ‬الطويل‭ ‬المؤدي‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬فحص‭ ‬الجوازات،‭ ‬كأنك‭ ‬تعبر‭ ‬معرضًا‭ ‬للفن‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تدخل‭ ‬البلاد‭. ‬حاولت‭ ‬شراء‭ ‬علبة‭ ‬سجائر‭ ‬من‭ ‬السوق‭ ‬الحرة‭ ‬قبل‭ ‬خروجنا،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ابنتي‭ ‬الكبرى‭ ‬وأدت‭ ‬رغبتي‭ ‬وهي‭ ‬تعدّد‭ ‬أضرار‭ ‬التدخين‭ ‬بلغةٍ‭ ‬ممزوجة‭ ‬بالعربي‭ ‬والإنكليزي‭. ‬فهمت‭ ‬ما‭ ‬قالت‭ ‬بالعربي‭ ‬طبعًا،‭ ‬ولم‭ ‬أستوعب‭ ‬نصف‭ ‬ما‭ ‬قالته‭ ‬بالإنكليزية‭ ‬لسرعة‭ ‬نطقها‭ ‬الكلمات،‭ ‬كأنها‭ ‬تطلقها‭ ‬من‭ ‬فمٍ‭ ‬يركض‭. ‬تركنا‭ ‬المطار‭ ‬إلى‭ ‬فندق‭ ‬العشب‭ ‬الأخضر‭ ‬Green‭ ‬Grass‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬صعدنا‭ ‬حافلة‭ ‬كبيرة‭ ‬كانت‭ ‬نصف‭ ‬مقاعدها‭ ‬مشغولة‭. ‬وخلال‭ ‬الطريق‭ ‬فوجئت‭ ‬بشابٍ‭ ‬آسيوي‭ ‬تشير‭ ‬ملامحه‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭ ‬يسألني‭ ‬بلغةٍ‭ ‬عربيةٍ‭ ‬فصيحة‭ ‬عن‭ ‬جنسيتي‭. ‬ولما‭ ‬أجبته‭ ‬أن‭ ‬بلدي‭ ‬هو‭ ‬العراق،‭ ‬قال‭ ‬بنبرة‭ ‬حزينة‭: ‬وطن‭ ‬النار‭ ‬والدم‭. ‬كانت‭ ‬كلماته‭ ‬كحجرٍ‭ ‬يسقط‭ ‬في‭ ‬ماءٍ‭ ‬ساكن‭. ‬استمر‭ ‬الحديث‭ ‬معه‭ ‬طوال‭ ‬الطريق،‭ ‬وعرفت‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬سبب‭ ‬قدومه‭ ‬إلى‭ ‬سنغافورة‭ ‬هو‭ ‬تعلّم‭ ‬دروسٍ‭ ‬دينية‭ ‬برفقة‭ ‬زوجته‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تجلس‭ ‬بجواره‭. ‬ولما‭ ‬سألته‭ ‬عن‭ ‬القناة‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬يتابع‭ ‬أخبارها،‭ ‬أجاب‭ ‬أنه‭ ‬يحرص‭ ‬على‭ ‬متابعة‭ ‬قناة‭ ‬الجزيرة‭. ‬في‭ ‬سري‭ ‬هجست‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الشاب‭ ‬يحمل‭ ‬فكرًا‭ ‬متطرفًا،‭ ‬وكان‭ ‬هاجسي‭ ‬صحيحًا؛‭ ‬إذ‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬قبل‭ ‬الهبوط‭ ‬من‭ ‬الحافلة‭ ‬إنه‭ ‬سيتوجه‭ ‬مع‭ ‬زوجته‭ ‬إلى‭ ‬سوريا‭ ‬لتكملة‭ ‬“رسالته‭ ‬الإسلامية”‭. ‬قلت‭ ‬له‭ ‬بصراحة‭ ‬متناهية‭ ‬إنه‭ ‬سيندم‭ ‬كثيرًا‭ ‬إذا‭ ‬أقدم‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭. ‬شعرت‭ ‬بهلعٍ‭ ‬من‭ ‬خطورة‭ ‬ما‭ ‬يفعله‭ ‬هؤلاء‭ ‬الظلاميون‭ ‬بعقول‭ ‬الناس،‭ ‬وأخصّ‭ ‬الشبان‭ ‬منهم‭. ‬فهذا‭ ‬الصيني‭ ‬الذي‭ ‬ترك‭ ‬عمله‭ ‬كمهندس‭ ‬ميكانيك‭ ‬في‭ ‬مصنعٍ‭ ‬للسيارات،‭ ‬جاء‭ ‬مع‭ ‬زوجته‭ ‬ليتلقى‭ ‬دروسًا‭ ‬في‭ ‬الجهاد‭ ‬في‭ ‬جامعٍ‭ ‬متطرف،‭ ‬ثم‭ ‬يذهب‭ ‬برفقتها‭ ‬ليتحوّلا‭ ‬معًا‭ ‬إلى‭ ‬رمادٍ‭ ‬في‭ ‬محرقة‭ ‬الإرهاب‭. ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬طريقي‭ ‬أي‭ ‬شرطي‭ ‬سنغافوري‭ ‬لما‭ ‬ترددت‭ ‬في‭ ‬الإخبار‭ ‬عنه،‭ ‬لكن‭ ‬الفجر‭ ‬كان‭ ‬يطلّ‭ ‬والمدينة‭ ‬لما‭ ‬تزل‭ ‬نائمة،‭ ‬كأنها‭ ‬تغمض‭ ‬عينيها‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الجنون‭. ‬حين‭ ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬الفندق‭ ‬كانت‭ ‬موظفة‭ ‬الاستقبال‭ ‬بانتظارنا،‭ ‬ولم‭ ‬تظهر‭ ‬على‭ ‬وجهها‭ ‬أي‭ ‬علامات‭ ‬نعاس‭. ‬جلسنا‭ ‬نأخذ‭ ‬قسطًا‭ ‬من‭ ‬الراحة‭ ‬في‭ ‬صالة‭ ‬استقبال‭ ‬صغيرة،‭ ‬حتى‭ ‬أقبلت‭ ‬نحونا‭ ‬ووضعت‭ ‬في‭ ‬يدي‭ ‬بطاقتين‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬ماذا‭ ‬سأفعل‭ ‬بهما‭. ‬ولما‭ ‬سألتها‭ ‬بلغة‭ ‬إنكليزية‭ ‬عن‭ ‬مكان‭ ‬منامنا،‭ ‬تبسمت‭ ‬بحيوية‭ ‬وأخبرتني‭ ‬أن‭ ‬المفاتيح‭ ‬بين‭ ‬يديّ‭. ‬تفاقم‭ ‬استغرابي،‭ ‬وقلبت‭ ‬البطاقتين‭ ‬فرأيت‭ ‬على‭ ‬الأولى‭ ‬الرقم‭ ‬27‭ ‬وعلى‭ ‬الأخرى‭ ‬الرقم‭ ‬28،‭ ‬بينما‭ ‬نهضت‭ ‬ابنتي‭ ‬حُسنى‭ ‬ضاحكة‭ ‬وقالت‭ ‬بثقة‭:‬

‭-‬‭ ‬بابا‮…‬‭ ‬البطاقة‭ ‬هي‭ ‬المفتاح‭.‬

لم‭ ‬أستوعب‭ ‬ما‭ ‬سمعته،‭ ‬ونحن‭ ‬ندخل‭ ‬إلى‭ ‬مصعدٍ‭ ‬يتسع‭ ‬لنا‭ ‬الخمسة،‭ ‬بينما‭ ‬تكفّل‭ ‬أحد‭ ‬عمال‭ ‬الخدمة‭ ‬بحمل‭ ‬الحقائب‭. ‬أمام‭ ‬باب‭ ‬الغرفة‭ ‬الأولى‭ ‬حشرت‭ ‬ابنتي‭ ‬البطاقة‭ ‬في‭ ‬تجويفٍ‭ ‬جانبي،‭ ‬فصدر‭ ‬صوتٌ‭ ‬أشبه‭ ‬بالأزيز‭ ‬لبرهة،‭ ‬وانفتح‭ ‬الباب‭ ‬فجأة‭ ‬كأنه‭ ‬يستجيب‭ ‬لطقسٍ‭ ‬سحريّ‭. ‬كانت‭ ‬الغرفة‭ ‬التي‭ ‬اشتركت‭ ‬بها‭ ‬مع‭ ‬زوجتي‭ ‬وابني‭ ‬مُزكَّى‭ ‬نظيفة‭ ‬جدًا،‭ ‬لكن‭ ‬أثاثها‭ ‬وأسرّتها‭ ‬تبدو‭ ‬عليها‭ ‬القدم‭. ‬وثمة‭ ‬رائحة‭ ‬زكية‭ ‬ومنعشة‭ ‬تنبعث‭ ‬من‭ ‬مكانٍ‭ ‬ما،‭ ‬لم‭ ‬أهتدِ‭ ‬إليه‭ ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬أفقت‭ ‬من‭ ‬النوم‭ ‬عند‭ ‬الساعة‭ ‬العاشرة‭ ‬والنصف‭ ‬تقريبًا؛‭ ‬لقد‭ ‬عثرت‭ ‬على‭ ‬مكمن‭ ‬تلك‭ ‬الرائحة،‭ ‬إذ‭ ‬كانت‭ ‬تنبعث‭ ‬من‭ ‬كيس‭ ‬نايلون‭ ‬صغير‭ ‬معلّق‭ ‬بزاوية‭ ‬الغرفة،‭ ‬يحتوي‭ ‬على‭ ‬قطعٍ‭ ‬حجرية‭ ‬صغيرة‭ ‬بلونٍ‭ ‬وردي‭ ‬تطلق‭ ‬تلك‭ ‬الرائحة‭ ‬العطرة،‭ ‬كأنها‭ ‬أنفاسٌ‭ ‬خفية‭ ‬تباركُ‭ ‬الغريب‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬ليلة‭ ‬له‭.  ‬يتبع‮…‬‭  ‬

 


مشاهدات 67
الكاتب حسن‭ ‬النواب
أضيف 2026/08/10 - 1:49 PM
آخر تحديث 2026/08/12 - 7:35 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 323 الشهر 12485 الكلي 16102189
الوقت الآن
الأربعاء 2026/8/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير