حلّقت بنا الطائرة من مطار بيرث في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، والسماء تمطر بهدوءٍ يشبه مناغاة أمٍّ لرضيعها، مع برقٍ خاطفٍ يضيء الأفق المترامي بين آونةٍ وأخرى كأنه توقيعٌ سماويٌّ على بداية الرحلة. كانت طائرة الخطوط السنغافورية متينةً وأنيقة، وزاد من جمالها ابتسامة المضيفات اللواتي كنّ يعتنين بالأطفال كأنهنّ يربّتن على قلوبٍ صغيرة تخاف الغربة. وكان نصيب ولدي الصغير حفنة هدايا من الألعاب ملأت حقيبته الصغيرة، كأن السماء تعوّضه عن سهر الليل. بعد أربع ساعاتٍ ونصف من الطيران هبطنا في مطار سنغافورة البهيّ؛ جدارياتٌ عملاقة مرسومة ببراعة تغطّي جدران الممر الطويل المؤدي إلى نقطة فحص الجوازات، كأنك تعبر معرضًا للفن قبل أن تدخل البلاد. حاولت شراء علبة سجائر من السوق الحرة قبل خروجنا، إلا أن ابنتي الكبرى وأدت رغبتي وهي تعدّد أضرار التدخين بلغةٍ ممزوجة بالعربي والإنكليزي. فهمت ما قالت بالعربي طبعًا، ولم أستوعب نصف ما قالته بالإنكليزية لسرعة نطقها الكلمات، كأنها تطلقها من فمٍ يركض. تركنا المطار إلى فندق العشب الأخضر Green Grass بعد أن صعدنا حافلة كبيرة كانت نصف مقاعدها مشغولة. وخلال الطريق فوجئت بشابٍ آسيوي تشير ملامحه إلى الصين يسألني بلغةٍ عربيةٍ فصيحة عن جنسيتي. ولما أجبته أن بلدي هو العراق، قال بنبرة حزينة: وطن النار والدم. كانت كلماته كحجرٍ يسقط في ماءٍ ساكن. استمر الحديث معه طوال الطريق، وعرفت منه أن سبب قدومه إلى سنغافورة هو تعلّم دروسٍ دينية برفقة زوجته التي كانت تجلس بجواره. ولما سألته عن القناة العربية التي يتابع أخبارها، أجاب أنه يحرص على متابعة قناة الجزيرة. في سري هجست أن هذا الشاب يحمل فكرًا متطرفًا، وكان هاجسي صحيحًا؛ إذ قال لي قبل الهبوط من الحافلة إنه سيتوجه مع زوجته إلى سوريا لتكملة “رسالته الإسلامية”. قلت له بصراحة متناهية إنه سيندم كثيرًا إذا أقدم على هذه الخطوة. شعرت بهلعٍ من خطورة ما يفعله هؤلاء الظلاميون بعقول الناس، وأخصّ الشبان منهم. فهذا الصيني الذي ترك عمله كمهندس ميكانيك في مصنعٍ للسيارات، جاء مع زوجته ليتلقى دروسًا في الجهاد في جامعٍ متطرف، ثم يذهب برفقتها ليتحوّلا معًا إلى رمادٍ في محرقة الإرهاب. ولو كان في طريقي أي شرطي سنغافوري لما ترددت في الإخبار عنه، لكن الفجر كان يطلّ والمدينة لما تزل نائمة، كأنها تغمض عينيها عن هذا الجنون. حين وصلنا إلى الفندق كانت موظفة الاستقبال بانتظارنا، ولم تظهر على وجهها أي علامات نعاس. جلسنا نأخذ قسطًا من الراحة في صالة استقبال صغيرة، حتى أقبلت نحونا ووضعت في يدي بطاقتين لا أعرف ماذا سأفعل بهما. ولما سألتها بلغة إنكليزية عن مكان منامنا، تبسمت بحيوية وأخبرتني أن المفاتيح بين يديّ. تفاقم استغرابي، وقلبت البطاقتين فرأيت على الأولى الرقم 27 وعلى الأخرى الرقم 28، بينما نهضت ابنتي حُسنى ضاحكة وقالت بثقة:
- بابا… البطاقة هي المفتاح.
لم أستوعب ما سمعته، ونحن ندخل إلى مصعدٍ يتسع لنا الخمسة، بينما تكفّل أحد عمال الخدمة بحمل الحقائب. أمام باب الغرفة الأولى حشرت ابنتي البطاقة في تجويفٍ جانبي، فصدر صوتٌ أشبه بالأزيز لبرهة، وانفتح الباب فجأة كأنه يستجيب لطقسٍ سحريّ. كانت الغرفة التي اشتركت بها مع زوجتي وابني مُزكَّى نظيفة جدًا، لكن أثاثها وأسرّتها تبدو عليها القدم. وثمة رائحة زكية ومنعشة تنبعث من مكانٍ ما، لم أهتدِ إليه إلا عندما أفقت من النوم عند الساعة العاشرة والنصف تقريبًا؛ لقد عثرت على مكمن تلك الرائحة، إذ كانت تنبعث من كيس نايلون صغير معلّق بزاوية الغرفة، يحتوي على قطعٍ حجرية صغيرة بلونٍ وردي تطلق تلك الرائحة العطرة، كأنها أنفاسٌ خفية تباركُ الغريب في أول ليلة له. يتبع…