الفساد المسكوت عنه.. ضرائب ورسوم بلا قانون
عبد الستار رمضان
قد تكون قضايا الرشوة والاختلاس وهدر المال العام هي الأكثر تداولاً في وسائل الإعلام، إلا أن هناك نوعاً آخر من الفساد أقل ضجيجاً وأكثر انتشاراً، ويمكن وصفه بـ(الفساد المسكوت عنه)، وهو ذلك الفساد الذي يسرق من جيوب المواطنين عبر رسوم وجبايات واستقطاعات تفرضها بعض الدوائر والمؤسسات والهيئات والاتحادات والنقابات دون سند قانوني، أو بما يتجاوز الحدود التي رسمها القانون.
لقد أثار قرار هيئة الحج والعمرة العراقية باستيفاء مبلغ خمسين ألف دينار من الراغبين بالتسجيل لأداء فريضة الحج، ثم العدول عنه وإعادة المبالغ إلى أصحابها، موضوعاً قانونيياً مهماً، لان القضية لا تتعلق بمبلغ خمسين ألف دينار فحسب، بل بالمبدأ الدستوري الذي يحكم العلاقة المالية بين الدولة والمواطن، وهو مبدأ (لا ضريبة ولا رسم إلا بقانون).
ان الدستور العراقي لسنة2005 قد نص في المادة(28/أولًا) (لا تفرض الضرائب والرسوم، ولا تعدل، ولا تجبى، ولا يعفى منها، إلا بقانون)، وهذا النص يمثل ضمانة دستورية تحول دون استحداث أعباء مالية بقرارات إدارية أو تعليمات لا تستند إلى تشريع نافذ.
وإذا كان التراجع عن استيفاء رسم التسجيل للحج يعد خطوة تحسب للجهة التي صححت قرارها، فإن السؤال الأهم يبقى مطروحاً: ماذا عن آلاف الرسوم الأخرى التي استوفيت منذ عام 2003 وحتى اليوم؟ وهل تمت مراجعة مشروعيتها؟ وهل سيتم إعادة الأموال التي تم جبايتها خلافاً للقانون؟
دوائر حكومية
إن هذا الأمر لا يقف عند حدود دائرة او مؤسسة واحدة، بل يمتد إلى الاتحادات والنقابات والهيئات والجمعيات والدوائر الحكومية وغير الحكومية التي تفرض رسوم تسجيل أو تجديد أو اشتراكات أو أجور خدمات، ليس لها اساس قانوني، او تتجاوز ما حدده القانون صراحة.
إن استيفاء رسم غير مقرر قانوناً لا يختلف من حيث النتيجة عن فرض ضريبة غير مشروعة، لأن كليهما يمثل اقتطاعاً من أموال المواطنين دون سند تشريعي. ومتى غاب القانون، أصبحت الجباية تجاوزاً على اختصاص السلطة التشريعية.
عليه فإن مكافحة الفساد لا ينبغي أن تقتصر على ملاحقة المرتشين أو مختلسي المال العام، بل يجب أن تمتد إلى مراجعة جميع الرسوم والجبايات التي يتم فرضها على الموطنين والتأكد من وجود سند قانوني نافذ يجيز فرضها ويحدد مقدارها وآلية استيفائها.
كما أن المسؤولية لا تقع على جهة الاستيفاء وحدها، بل تمتد إلى الجهات الرقابية، وفي مقدمتها ديوان الرقابة المالية الاتحادي، وهيئة النزاهة، والادعاء العام، واللجان القانونية والمالية والنزاهة البرلمانية، وأجهزة الرقابة الداخلية، فضلًا عن القضاء الإداري، الذي يملك صلاحية إلغاء القرارات الإدارية المخالفة للقانون، وحماية مبدأ المشروعية.
كما انه من الضروري أن تقوم السلطات الثلاث التشريعية (مجلس النواب)، والتنفيذية (الحكومة)، ومجلس القضاء بكافة مكوناته)بإجراء مراجعة قانونية وطنية شاملة لجميع الرسوم والجبايات والاستقطاعات المفروضة على المواطنين منذ عام 2003، مع نشر قائمة رسمية تبين السند القانوني لكل رسم، والجهة المخولة باستيفائه، ومقداره، وأوجه إنفاقه.
والزام جميع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية التي تمارس صلاحيات عامة بالإعلان عن الأساس القانوني لكل رسم تستوفيه، تحقيقاً لمبدأ الشفافية، وتمكين المواطن من معرفة حقوقه وواجباته.
إن احترام القانون لا يقاس بعدد التشريعات، وإنما بمدى التزام السلطات بها. والدولة التي تريد بناء ثقة مواطنيها لا يجوز لها أن تستوفي دينارًا واحدًا إلا بتفويض من القانون، لأن المال الخاص يتمتع بالحماية ذاتها التي يتمتع بها المال العام.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل الرأي العام والسلطات الرقابية معاً: كم مليار دينار دخل خزائن مؤسسات مختلفة خلال أكثر من عقدين تحت مسميات رسوم أو أجور أو اشتراكات لم تستند إلى قانون؟ إن الإجابة عن هذا السؤال قد تكشف أحد أكبر ملفات الفساد المسكوت عنه أو الفساد الصامت في العراق، فساد لا تُسمع له ضجة، لكنه يستنزف أموال المواطنين كل يوم، لأن بناء دولة القانون يبدأ من احترام الدستور، وإخضاع كل جباية لرقابة القانون، وان العدالة المالية ليست شعاراً بل التزام دستوري لا يقبل الاستثناء.