صناديق إنتخابات بلا مضمون
شاكر كريم عبد
هكذا يختزل واقعناً العراقي بعد ان تحولت فيه الديمقراطية من أداة للتغيير البنيوي إلى طقس إجرائي بارد.
في بيئتنا السياسية، لم يعد الصندوق حكماً يفرز فائزاً يحكم وخاسراً يعارض، بل أضحى مجرد واجهة تقفز فوقها «آليات التوافق والمحاصصة» لتصادر الخيارات الحقيقية للشعب. هذا التشويه لا يمثل خروجاً عن روح العلوم السياسية المعاصرة فحسب، بل يصطدم مباشرة بنظريات العمران البشري عند ابن خلدون، متيحاً لنا فهم كيف تُفرغ مؤسسات الدولة من معناها الأخلاقي والعملي وتُدفع نحو الهرم والتراجع. في المفاهيم السياسية المستقرة، يُترجم الصندوق تفويضاً شعبياً يمنح الفائز الحق والمسؤولية في إدارة الدولة بناءً على برنامجه الانتخابي. لكن في التجربة العراقية، يتحول هذا التفويض إلى فخ عقب كل اقتراع؛ حيث يتم الالتفاف على الأرقام الحقيقية لصالح تسويات تُدار خلف الكواليس. هذا القفز المستمر فوق النتائج يفرغ «الديمقراطية من غايتها، فلا يُنتج الصندوق تغييراً، بل يعيد إنتاج البنية ذاتها تحت مسميات توافقية جديدة تنزع عن العملية الانتخابية جوهرها الأساسي. لقد شوهت «الديمقراطية التوافقية» مفهوم الحكم الرشيد، وحولته من تنافس حول خدمة الصالح العام إلى صيغة لتقاسم مؤسسات الدولة كـ»مغانم حزبية وفئوية». عندما يغيب الثواب والعقاب الانتخابي، وتُقسم المناصب كحصص ثابتة بغض النظر عن الكفاءة أو نتائج الصناديق، تسقط دولة المواطنة.
هذا النهج يضمن بقاء قوى السلطة بمنأى عن المحاسبة، ويجعل من الهيئات والوزارات أدوات لخدمة المصالح الضيقة بدلاً من تقديم الخدمات وبناء التنمية المستدامة للبلاد حيث يمثل الانتخاب في أصله الفلسفي عقداً اجتماعياً يمنح بموجبه المواطن صوته وثقته للسلطة مقابل نيل حقوقه الأساسية من أمن، وخدمات، وفرص متكافئة. ولكن عندما تصطدم هذه الثقة بجدار «الثلث المعطل» وتفاهمات المحاصصة الإجبارية، ينفسخ العقد تلقائياً في وعي المجتمع. هذا الخذلان المستمر والمتراكم يفسر بصورة واضحة ظاهرة العزوف الجماعي عن صناديق الاقتراع؛ حيث استقر في الوجدان الشعبي أن العملية برمتها لا تعدو كونها طقساً شكلياً عاجزاً عن تبديل الواقع أو إحداث فارق ملموس في إدارة البلاد.
لم يعاصر ابن خلدون النظم الديمقراطية، لكنه وضع قانوناً تاريخياً صارماً حين أكد أن «الظلم مؤذن بخراب العمران». والظلم بمفهومه السياسي الواسع يتجلى في مصادرة الإرادة العامة وتغليب «العصبيات الفئوية والطائفية» على مصلحة الدولة الكلية. لذلك عندما تصبح المحاصصة هي المحرك الفعلي للقرار، وتُحجب الكفاءات لصالح الولاءات الحزبية، تدخل الدولة في طور الهرم الذي حذر منه أبن خلدون؛ حيث تضعف المؤسسات، ويفقد النظام الحاكم مبرر وجوده الأخلاقي والعملي، مما يهدد الاستقرار المجتمعي ويتحدث ابن خلدون في سياق نقد النخب الحاكمة عما يسمى «الحجاب»، حيث تلتف حول السلطة بطانة تحجب عنها واقع الناس الحقيقي وتزين لها الأوضاع. في عصرنا الحالي، يتجسد هذا الحجاب في الخطاب التبريري والشعارات المكوناتية المفتعلة التي تستخدمها الكتل للتغطية على الإخفاق الخدمي والتنموي. تصبح الانتخابات تحت هذا الستار وسيلة لتجديد الامتيازات الفئوية وعزل السلطة عن أنين الشارع ومطالبه الحقة، بدلا من أن تكون أداة للمساءلة والمحاسبة الفاعلة. ولهذا أثبت الواقع أن تكرار العملية الانتخابية يظل بلا معنى ما دامت آليات التوافق والمحاصصة قادرة على مصادرة النتائج وتعطيل مفاعيل العقد الاجتماعي إن إنقاذ مؤسسات الدولة وإعادة الحيوية لها يتطلبان انتقالاً حتمياً وشجاعاً من «ديمقراطية المكونات الشكلية» إلى «ديمقراطية المواطنة الحقيقية» القائمة على سيادة القانون وحق المحاسبة. وكما علمنا ابن خلدون، فإن بقاء الدول مرهون بالعدل، وأن الصناديق التي تُفرغ من مضمونها لصالح التسويات الضيقة ليست سوى رمال متحركة لن تصمد طويلاً أمام العواصف الحتمية للتغيير والإرادة الشعبية.