كلام أبيض
تحقّق الحلم.. ولكن
جليل وادي
غالبا ما يتجنب الكتّاب الذين يعملون في مؤسسات غير اعلامية من أمثالي الكتابة عن مسؤولهم الأعلى ايجابا او سلبا، ذلك ان الكتابة الايجابية التي فيها مدح تسعد المسؤول وتحسن صورته لدى الرأي العام والجهات العليا التي ينتسب لها، الا ان الكثير من الناس يفسرون فعل الكاتب على انه تودد لذلك المسؤول، او محاولة للتقرب منه، او جاءت تحت الضغط او الاحراج، او هي نوع من أنواع (.....)، لا أود ذكر المفردة.
اما لو رأى تقصيرا في مؤسسته وتجرأ على الكتابة عنه فدائما ما يتعرض للمساءلة، وفي أحيان معينة الى اجراءات مباشرة او غير مباشرة تنال منه، وتسبب له مشكلات معقدة، فيصبح بنظر مسؤوله شخص محبط للمبدعين، ومقلل من شأن الانجازات، وان انتماءه لمؤسسته ضعيف، وغير جدير بالمكان الذي يعمل فيه، وربما يجدون ذريعة لنقله الى مكان آخر غير مناسب له. في مطلع التسعينيات كتبت تحقيقا صحفيا لجريدة الجمهورية عن جامعتي وتضمن انتقادات حادة على لسان تدريسيين وعمداء وطلبة، وكان يرأس الجامعة في حينها الدكتور رياض الدباغ، وهدفي من التحقيق تطوير العمل وتحسين بيئة التعليم، وعلمت لاحقا ان السيد رئيس الجامعة قد وبخ العمداء على حديثهم في التحقيق، وبعد سماعي بهذا الخبر انتابي خوف شديد، وتساءلت مع نفسي ماذا سيفعل بي اذا علم ان كاتب التحقيق أحد منتسبيه، بخاصة واني في بداية عملي وتحت التجربة ولم اثبّت على الملاك الدائم، وبالفعل بعد شهر استدعاني لمكتبه الذي كان في العاصمة بينما مقر كليتي في محافظة ديالى، حضرت للمكتب وانتظرت ما يقرب الربع ساعة او أكثر بقليل، لم يكن خوفي نابعا من كونه رئيس جامعة، اذ قابلت في مسيرتي الصحفية الكثير من المسؤولين الأعلى منه منصبا تنفيذيا او سياسيا، بل حرصا على وظيفتي، استقبلني السيد رئيس الجامعة بحفاوة كبيرة لم أتوقعها، تبادلنا فيها أطراف الحديث عن العمل الصحفي وظروفه، ولم يتطرق أبدا للتحقيق الذي كتبته، وفي نهاية اللقاء الذي استغرق نصف ساعة ودعني عند الباب مع ابتسامة عريضة، ولكم ان تفسروا تصرف السيد رئيس الجامعة.
ما دعاني لهذه المقدمة الطويلة هو رغبتي في الحديث هذه المرة عن مسؤولي الأعلى الاستاذ الدكتور تحسين حسين مبارك رئيس جامعة ديالى الذي تمكن في فترة وجيزة من الارتقاء بجامعتنا الى مستويات عالية في الجانبين العلمي والاداري وتحسين بيئة التعليم من خلال تطوير وانشاء بنى تحتية أعطت لجامعتنا رونقها وهويتها المميزة، للأمانة كان درسا وافيا في الاخلاص للعمل والمتابعة الحثيثة لكل التفاصيل، الى درجة ان العمل المتواصل ليلا ونهارا أدت الى اصابته بجلطة دماغية كادت أن تودي بحياته، لقد تمكن من استحداث كليات وأقسام علمية نوعية، وفي مقدمتها كلية الذكاء الاصطناعي وآخرها كلية الاعلام الرقمي، وهو الحلم الذي سعيت على مدى ربع قرن الى تحقيقه، وحاولت مع جميع رؤساء الجامعة السابقين، لكن العثرات واجهت هذا المشروع الذي لم تنفع معه جميع المبررات التي قدمتها، وقد بُح صوتي بان العالم الآن يُدار في جانب كبير منه بالاعلام، فالاعلام أسقط أنظمة وهشم دولا، وان شعوبنا راحت ضحية اعلام معادي، وان منظومة القيم يدمرها ويشكلها الاعلام، وان النشئ الجديد بحاجة الى تربية اعلامية، ليُحسن التعامل مع هذا السيل الجارف من الرسائل الاعلامية التي صارت أشبه بالهواء، فيه من الجراثيم بقدر ما فيه من الأوكسجين، وكاد اليأس يدب في نفسي وزملائي حتى وجدنا في رئيس جامعتنا حماسا يفوق حماسنا، وبدأنا الخطوات، وفي كل خطوة نراه يتابعنا بأدق الجزئيات، وذلل كل ما واجهنا من عقبات، واستجاب لكل ما نريد، وعندما جاءت لجنة الاستحداث، وجدناه يسبقنا في مرافقة اللجنة في ظهيرة ذلك اليوم القائظ وهو يتصبب عرقا، حتى خفنا عليه، وهو الذي تعافى مؤخرا من حالته المرضية، ما أخجلنا، ازاء هذا الاندفاع والحيوية، طبعا كلمات الشكر والامتنان لا تفي الرجل حقه، فقد أسعدني وزملائي كثيرا استحداث كلية الاعلام الرقمي، ويكفيني رؤية السعادة تغمر جميع زملائي، اما أنا فلن أتمتع بهذا الحلم البهي الذي انتظرته أكثر من ربع قرن، لأني سأُحال الى التقاعد العام القادم.
jwhj1963@yahoo.com