حكومة ولكن
حسين علي الحمداني
منذ منح البرلمان العراقي الثقة لرئيس الوزراء علي فالح الزيدي و14 وزيراً في منتصف أيار 2026، مضى أكثر من مئة يوم، ولا تزال الدولة تعمل بتسع حقائب وزارية شاغرة . ليست وزارات هامشية يمكن تأجيلها إلى إشعار آخر، بل هي مفاصل يومية تمس الأمن والخدمات والتعليم والإعمار ومستقبل الشباب. وحين تبقى هذه الوزارات تدار بالوكالة، فإن الأمر لا يعني مجرد تأخير في استكمال التشكيلة الحكومية، بل يعني أن القرار فيها يصبح مؤقتاً، والمشاريع أكثر عرضة للتأجيل.
التفسير الرسمي المتكرر هو: «غياب التوافق».
لكن خلف هذه العبارة رواية أطول وأكثر تعقيداً.
أول فصولها أن تشكيل الحكومة في العراق لم يعد، في كثير من الأحيان، إجراءً دستورياً لاختيار الأكفأ، بقدر ما أصبح عملية تفاوض على الحصص والنفوذ. أربع كتل تتنافس، بحسب ما يُتداول، على منصب النائب الأول لرئيس الوزراء وحده، وبينما تتبادل القوى السياسية الأسماء، يطيح «الفيتو» السياسي بمرشح بعد آخر.
أما وزارتا الداخلية والدفاع، فقد تحولتا إلى ساحة اختبار أكبر من مجرد اختيار وزير. فهناك في الداخل ملفات حساسة، في مقدمتها حصر السلاح والتوازنات السياسية والأمنية، وهناك في الخارج ضغوط أمريكية تجاه بعض الشخصيات المرتبطة بفصائل مسلحة. وهكذا يصبح اسم الوزير جزءاً من معادلة سياسية وأمنية وإقليمية، لا مجرد قرار إداري.
وثاني الأسباب هو غياب سقف زمني ملزم لحسم الشغور بعد منح الثقة الجزئية.
فالدستور يمنح رئيس الوزراء مدة محددة لتقديم كابينته الوزارية، لكنه لا يضع، بصورة واضحة، مهلة مماثلة لحسم الوزارات التي بقيت شاغرة بعد التصويت. هذا الفراغ القانوني منح القوى السياسية مساحة واسعة للمماطلة؛ فطالما أن الحكومة قائمة، والرواتب تُدفع، ومؤسسات الدولة تستمر في تسيير الحد الأدنى من الأعمال، فلا توجد كلفة سياسية مباشرة تدفع الأطراف إلى إنهاء التفاوض سريعاً.
لكن كلفة التأخير لا تظهر دائماً في جدول رسمي أو بيان حكومي؛ إنها تتراكم في تفاصيل حياة الناس.
وزير بالوكالة قد يتردد في اتخاذ قرارات استراتيجية أو إطلاق إصلاحات هيكلية، خشية أن يأتي وزير أصيل فيغيّرها أو يحمّله مسؤولية قرارات اتخذت في مرحلة مؤقتة. مشروع إسكان يتأخر، خطة لتشغيل الشباب تبقى معلقة، وملف النازحين يدار بالحلول المؤقتة، فيما تتراكم الملفات على مكاتب الوزارات.
والأخطر من كل ذلك أن المواطن يرى المشهد من زاويته البسيطة: الدولة قادرة على أن تتفق على توزيع المناصب، لكنها عاجزة عن الاتفاق على من يديرها.
وهنا تتآكل الثقة.
المشكلة إذن ليست في أن الحكومة لم تكتمل فقط، بل في أن منطق تشكيل الحكومة نفسه يحتاج إلى مراجعة.
الحل لا يحتاج إلى معجزة. نحتاج إلى تفاهم نيابي يضع سقفاً زمنياً واضحاً لحسم أي حقيبة شاغرة بعد منح الثقة، وإلى معايير مهنية معلنة للوزارات السيادية.
ونحتاج، قبل ذلك كله، إلى الاعتراف بحقيقة ربما لا يرغب كثيرون في سماعها:
إدارة الدولة بالوكالة ليست حياداً سياسياً، بل إضعاف مستمر للقرار.