الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الأبنية المقاومة للزلازل مبدأ مركزي في فلسفة هندسة الإستدامة

بواسطة azzaman

مسؤولية الدول حماية مجتمعاتها من الكوارث الطبيعية

الأبنية المقاومة للزلازل مبدأ مركزي في فلسفة هندسة الإستدامة

همام الشريفي

 

مقدمة:

بعد حادثة الزلزال الذي اصاب جنوب شرق تركيا وشمال سوريا في 6 شباط 2023، تمت دعوتي لعرض محاضرة علمية عن هندسة الإنشاءات المقاومة للزلازل على منصة رابطة الأكاديميين العراقيين في بريطانيا في بداية شهر آذار 2023.  لقد حظيت المحاضرة باهتمام كبير، حيث ان مشاهدات الإعلام لكارثة الزلازل وأبعاده الإنسانية كانت لا تزال عالقة في اذهان الناس.

في 24 حزيران في هذا العام، وقع زلزالان متعاقبان في فينزويلا مما أدى إلى خسارات فادحة في الأرواح والممتلكات، حيث نقلت وسائل الإعلام صور ومقاطع فيديو تفصيلية تبعث على الألم والاسى للمعاناة الإنسانية وإسقاطاتها على الحياة الاجتماعية وعجلة الاقتصاد. ان هذا الموضوع يتعدى كونه ظاهرة طبيعية نادرة الحدوث إلى تحميل سلطة الدولة مسؤولية الحفاظ على حياة الأجيال المتعاقبة والمستوطنة في بيئات حضرية ذات كثافة سكانية عالية وواقعة على خطوط الصدع الأرضي المعروفة لدى الجيولوجيين، حيث تتزحلق على امتداداتها الصفائح التكتونية تحت مستوى الارض بأعماق سحيقة وبدرجات متفاوتة في الشدة وأماكن متباينة غير متوقعة وتوقيتات لا يمكن حسابها او رصدها فوق سطح الارض او من خلال الأقمار الاصطناعية.

التصور الخاطئ في الاستثمار

يخطئ الكثيرون من الخبراء الاقتصاديين عندما يعتقدون ان البناء المقاوم للزلازل يمثل استثمارا مكلفاً للميزانيات او باهض الثمن او انه بدون جدوى اقتصادية او ان احتماليته تقترب من درجة العدم.  أمام هذا الرأي الخاطئ، اود ان اقدم للسادة القراء لمحة مبسطة عن هذه الهندسة المتجددة لتطبيق مبادئ الاستدامة في الأعمار الافتراضية للمنشآت والاستثمار المالي المتطور لحماية المجتمعات البشرية وبالتحديد في المواقع الحضرية المطلة على خطوط الصدع الأرضي.  إنها فلسفة استثمارية توازن بين الكلفة الأولية وكلف الصيانة وإعمار الأبنية وحماية البنى التحتية.

ان تكنولوجيا مقاومة الزلازل في الأبنية الحديثة ترفع الكلف الأولية بين 1 بالمئة  إلى 10 بالمئة فقط كأقصى حد، ولكن في المقابل يتم مضاعفة العمر الافتراضي للبناء وتحسين نوعية المواصفات ورفع مهارة العمالة وتطوير الصناعات البنائية المرافقة وبالتالي فانه يمثل افضل استثمار لحماية الأرواح والممتلكات.

الهندسة المقاومة للزلازل

ان هذا الموضوع يتطلب محورين أولهما اعادة ترتيب «الأولويات الهندسية» في التخطيط العمراني والتصميم الانشائي وثانيهما تفعيل «القوانين البنائية» لمعايير السلامة في كافة مراحل البناء والإشغال.  بتطبيق هذين المحورين فان الأعمار الافتراضية للأبنية ترتفع إلى مستويات تقارب المائة عام وترتفع معها نسب مهارة العمالة وتبتكر تكنولوجيا بنائية جديدة وتطبق معايير الحفاظ على البيئة ضمن مستويات الطاقة المستهلكة والبصمة الكاربونية وترشيد الاستنزاف المستمر للموارد الطبيعية.

بالنسبة للأبنية المرتفعة بأكثر من ثلاث طوابق، فان هناك نظريتان في التصميم المقاوم للزلازل وهما الأولى: «البناء الصلد والمترابط» المعتمد على تصميم القواعد الانشائية الممتدة بأعماق ومساحات مدروسة وتصميم أصناف الوصلات الانشائية المتماسكة في اعلى الهياكل.، والثانية: «البناء المُتمفصل والمرن» المعتمد على تصميم مفاصل حركية متزحلقة ومصنوعة من مكونات الحديد والمطاط في كل من القواعد ووصلات الهياكل. تصلح النظرية الأولى للأبنية المرتفعة إلى ارتفاع تسعة طوابق بينما تناسب النظرية الثانية الأبنية الشاهقة فوق ارتفاع تسعة طوابق.

بالنسبة للدول الواقعة على خطوط الصدع الزلزالي، تفرض السلطات الهندسية على مقاولي السكن الفردي والواطئ اعتماد الهياكل الانشائية الخفيفة (المصنوعة من الخشب والحديد المغلون ومنتجات بلاستيكية) لكي تتحمل حركة الارض واهتزازاتها دون سقوط مكوناتها على شاغلي الأبنية. وهذا ما نشهده في الأبنية السكنية الواطئة الارتفاع في اليابان وولاية سان فرانسسكو في الولايات المتحدة.

أين يكمن خطر الزلازل

ان القاتل الحقيقي والرئيسي للإنسان في حوادث الزلازل هي المكونات البنائية المتفككة والمنهارة والتي تسقط على شاغلي الأبنية في ثواني معدودة بما يفضي إلى مآسي وكوارث إنسانية مؤسفة. ضمن هذا المفهوم يتسابق المهندسون في مجال الفصل والتفريق بين الهياكل الحاملة للأثقال والتقطيعات الداخلية غير الحاملة للأثقال كونها خفيفة الوزن مع توظيف الصناعات البنائية المسبقة الصنع والموارد الطبيعية المستدامة ضمن هذا السياق التنفيذي.

ان تلكؤ سلطات الدول الواقعة على خطوط الصدع الأرضي في هذا الصنف من الاستثمار الطويل الأمد، يقود إلى ارتكاب اخطاء جسيمة في صيانة البنى التحتية وخيانة للأمانة بحق الأجيال المعاصرة والأجيال القادمة على حد سواء.

استنادا إلى الاحصائيات الجيولوجية، تقع  في الأراضي اليابانية ما يتراوح بين 10 بالمئة إلى 18 بالمئة من مجموع الزلازل الأرضية التي تصيب جميع أنحاء العالم وهي تحسب بأعداد تتراوح بين 1500 و 2000 زلزال سنويا ضمن مستويات متفاوتة في الشدة والاهتزاز.  عموما فان الزلازل فوق مستوى الرقم «8» على مقياس رختر، تحدث في اليابان بمعدل كل 19 شهر بينما تقع الزلازل فوق مستوى «16» على مقياس رختر في هذه الجزيرة بمعدل كل 19 عاماً. ان هذه الاحصائيات تعد ارقاماً مرعبة، ولكننا لا نكاد نسمع او نرصد خسائر في الأرواح او في الممتلكات بما يؤكد مفهوم «التحضر الإنساني والاخلاقي» الذي يستحق كل الاحترام والتقدير.

الخلاصة

لقد بيّنا في هذا المقال ان الاستثمار المالي في «هندسة مقاومة الزلازل» بما يخص البنى التحتية والفوقية يشكل هامشا ضئيلا جدا يضاف إلى ميزانيات الدول.

 بما يعزز فلسفة «القيمة المضافة»، ولكن بالمقابل يعطي هذا الاستثمار أعماراً افتراضية طويلة المدى لشتى أصناف المنشآت بما يعرف بمفهوم «الاستثمار الاستراتيجي»، بحيث يؤمن حفظ الأرواح والممتلكات بما يصون العجلة الإنتاجية في كافة الظروف الاستثنائية للمجتمع ويغير قواعد التفكير لضمان ديمومة الحياة.


مشاهدات 53
الكاتب همام الشريفي
أضيف 2026/07/12 - 3:58 PM
آخر تحديث 2026/07/13 - 1:26 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 128 الشهر 12953 الكلي 15918080
الوقت الآن
الإثنين 2026/7/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير