الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الشرق الأوسط بين مشاريع إعادة التشكيل وحقائق موازين القوّة

بواسطة azzaman

الشرق الأوسط بين مشاريع إعادة التشكيل وحقائق موازين القوّة

احمد فكاك البدراني

 

قراءة في التحولات الاستراتيجية من العراق إلى الحرب الإيرانية–الإسرائيلية ومفاوضات ما بعدها

لم تعد الصراعات في الشرق الأوسط مجرد نزاعات حدودية أو خلافات سياسية عابرة، بل تحولت خلال العقود الثلاثة الأخيرة إلى ساحات لإعادة إنتاج موازين القوى الدولية والإقليمية. فمنذ نهاية الحرب الباردة، بدأت الولايات المتحدة تتعامل مع المنطقة بوصفها المجال الأكثر تأثيراً في أمن الطاقة العالمي، والممر الجغرافي الأهم بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، فضلاً عن ارتباطها المباشر بأمن إسرائيل.

ومن هنا نشأت تصورات استراتيجية متعددة تحدثت عن “الشرق الأوسط الجديد”، وهو مصطلح لم يكن يعني مجرد إعادة رسم الحدود الجغرافية، بقدر ما كان يشير إلى إعادة تشكيل موازين القوى، وإنتاج أنظمة سياسية جديدة، وتفكيك مصادر القوة التقليدية التي يمكن أن تشكل تحدياً للهيمنة الأمريكية.

لكن ما بدا في البداية مشروعاً يسير بخطوات متسارعة، واجه لاحقاً عقبات غير متوقعة، كان أبرزها صمود إيران، وتغير طبيعة الحروب من المواجهة المباشرة إلى الصراع المركب متعدد الساحات.

العراق… البداية التي صنعت الثقة الأمريكية

شكّل العراق أول اختبار عملي واسع لهذا المشروع.

ففي عام 2003 نجحت الولايات المتحدة، خلال أسابيع قليلة، في إسقاط النظام العراقي، وتفكيك مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، وفرض واقع سياسي جديد.

وقد بدا آنذاك أن القوة العسكرية الأمريكية قادرة على تغيير الأنظمة متى شاءت، وأن التفوق التكنولوجي يكفي لإعادة صياغة الجغرافيا السياسية للمنطقة.

هذا النجاح العسكري السريع ولد قناعة لدى صناع القرار في واشنطن بأن النموذج العراقي يمكن تكراره في دول أخرى. غير أن السنوات اللاحقة أثبتت أن إسقاط النظام لا يعني السيطرة على الدولة، وأن الاحتلال العسكري يختلف جذرياً عن بناء نظام سياسي مستقر.

فالعراق تحول إلى ساحة استنزاف طويلة، استهلكت مئات المليارات من الدولارات، وأضعفت صورة القوة الأمريكية أكثر مما عززتها.

إيران… الدولة التي فرضت معادلة مختلفة

كانت التقديرات الغربية تفترض أن إيران، إذا تعرضت لضغط عسكري واسع، ستواجه مصيراً قريباً من العراق.

لكن الواقع جاء مغايراً.

فإيران لم تعتمد فقط على جيشها النظامي، بل بنت خلال عقود منظومة دفاعية متكاملة، تجمع بين:

* الصناعات العسكرية المحلية.

* الصواريخ الباليستية.

* الطائرات المسيّرة.

* الدفاعات الجوية.

* الحرب الإلكترونية.

* شبكة من الحلفاء الإقليميين.

كما أن العقوبات الطويلة دفعتها إلى تطوير قدر كبير من الاكتفاء العسكري الذاتي. ولذلك لم يعد استهداف إيران يعني مواجهة دولة منفردة، بل مواجهة منظومة إقليمية كاملة عندما اندلعت الحرب التي استمرت اثني عشر يوماً بين إسرائيل وإيران، بدا في الساعات الأولى أن إسرائيل، مدعومة بالتكنولوجيا الغربية والاستخبارات المتقدمة، ستتمكن من فرض تفوق سريع.

لكن مجريات الحرب كشفت حقائق مختلفة.

فقد أثبتت إيران قدرتها على المحافظة على تماسك مؤسساتها العسكرية والسياسية رغم الضربات.

كما أظهرت قدرتها على تنفيذ هجمات صاروخية ومسيرات وصلت إلى العمق الإسرائيلي، الأمر الذي فرض على إسرائيل للمرة الأولى منذ عقود مواجهة حرب استنزاف داخل جبهتها الداخلية.

وأظهرت الحرب أيضاً أن التفوق الجوي وحده لا يحسم الصراعات الحديثة، وأن امتلاك آلاف الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة أصبح عاملاً يحد من حرية الحركة العسكرية للطرف المقابل.

لقد كانت الحرب القصيرة رسالة استراتيجية أكثر منها معركة تقليدية.

حرب الأربعين يوماً… انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيداً

إذا كانت حرب الأيام الاثني عشر قد اختبرت قدرة الردع، فإن الحرب التي امتدت نحو أربعين يوماً كشفت تحولاً أعمق في طبيعة الصراع.

فالمواجهة لم تعد مقتصرة على تبادل الضربات العسكرية، بل شملت:

* الهجمات السيبرانية.

* الحرب الاقتصادية.

* تعطيل خطوط الملاحة.

* استهداف البنى التحتية.

* الضغوط الدبلوماسية.

* العمليات الاستخبارية.

وخلال هذه المرحلة اتضح أن كلفة استمرار الحرب أصبحت مرتفعة على جميع الأطراف.

فالاقتصاد العالمي تأثر.

وأسواق الطاقة اضطربت.

وتعرضت حركة التجارة الدولية لتهديدات متزايدة.

وأصبح استمرار التصعيد يحمل مخاطر لا تستطيع حتى القوى الكبرى تحمل نتائجها.

منطق القوة يتحول إلى

منطق التفاوض

عندما تصل الحروب إلى مرحلة يصبح فيها النصر الكامل مستحيلاً، تبدأ السياسة باستعادة دورها.

وهذا ما حدث بعد انتهاء العمليات العسكرية.

فالمفاوضات التي أعقبت الحرب لم تكن تعبيراً عن انتصار طرف وهزيمة آخر، بقدر ما كانت اعترافاً متبادلاً بأن الحل العسكري لم يعد قادراً على إنهاء الصراع.

لقد أثبتت التجربة أن الردع أصبح متبادلاً.

وأن امتلاك كل طرف القدرة على إيقاع خسائر كبيرة بالطرف الآخر، يجعل الحرب وسيلة ضغط لا وسيلة حسم. ولهذا عادت الدبلوماسية لتحتل موقعها بوصفها الطريق الأقل كلفة.

 

مقارنة بين العراق وإيران

تكشف المقارنة بين التجربتين اختلافاً جوهرياً في طبيعة الدولة ومصادر القوة.

فالعراق عام 2003 دخل الحرب وهو معزول دولياً، ومحاصر اقتصادياً، وجيشه منهك بعد سنوات من العقوبات والصراعات، كما افتقد إلى شبكة تحالفات إقليمية قادرة على توسيع ساحة المواجهة.

أما إيران فقد دخلت أي مواجهة وهي تمتلك قاعدة صناعية عسكرية أكثر تطوراً، وقدرات صاروخية ومسيرات محلية، إضافة إلى نفوذ إقليمي مكّنها من توزيع الضغوط على أكثر من جبهة. كما أن مؤسسات الدولة بقيت متماسكة، الأمر الذي جعل تكلفة استهدافها أعلى بكثير من التجربة العراقية.

وهذا لا يعني أن إيران خرجت من المواجهات من دون خسائر، ولا أنها حققت نصراً مطلقاً، بل يعني أن ظروفها الاستراتيجية كانت مختلفة بصورة جعلت سيناريو الحسم السريع أقل احتمالاً. نهاية مرحلة وبداية أخرى تكشف تطورات العقدين الأخيرين أن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة لم تعد فيها القوة العسكرية التقليدية وحدها كافية لفرض الإرادة السياسية.

فالتفوق التكنولوجي لم يعد يضمن نصراً سريعاً.

والجيوش النظامية لم تعد اللاعب الوحيد.

والدول المتوسطة أصبحت قادرة، عبر الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية، على رفع كلفة أي مواجهة إلى مستويات غير مسبوقة.

ولهذا لم تعد مشاريع إعادة تشكيل المنطقة تُحسم في ساحات القتال وحدها، بل أصبحت تتشكل عند تقاطع القوة العسكرية مع الاقتصاد، والدبلوماسية، والتكنولوجيا، والقدرة على الصمود الداخلي.

وهنا يمكننا القول ومن خلال ما التجارب ومنها تجربة العراق أن إسقاط الأنظمة قد يكون ممكناً بالقوة العسكرية، لكنه لا يضمن بناء نظام إقليمي جديد. ثم أظهرت تجربة إيران أن الدولة التي تمتلك قاعدة صناعية عسكرية، وتماسكاً مؤسسياً، وقدرة على امتصاص الضربات، تستطيع أن تفرض معادلات مختلفة حتى في مواجهة خصوم يتفوقون عليها تقنياً.

ومع ذلك، فإن استخلاص أن مشروع “الشرق الأوسط الجديد” قد انتهى نهائياً سيكون حكماً متعجلاً؛ فالصراع ما يزال مفتوحاً، وموازين القوى لا تزال في حالة تغير مستمر. والأقرب إلى الواقع أن المنطقة انتقلت من مرحلة كانت فيها قوة واحدة قادرة على فرض إيقاعها إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى والإقليمية، ويصبح فيها التفاوض، بعد كل جولة تصعيد، جزءاً لا ينفصل عن أدوات إدارة الصراع. وهذا التحول هو أبرز ما يميز الشرق الأوسط في العقد الحالي، حيث لم يعد الحسم العسكري وحده كافياً، ولم تعد أي قوة قادرة على صياغة مستقبل المنطقة منفردة.

 وزير الثقافة والسياحة والآثار السابق


مشاهدات 43
الكاتب احمد فكاك البدراني
أضيف 2026/07/12 - 3:59 PM
آخر تحديث 2026/07/13 - 1:26 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 131 الشهر 12956 الكلي 15918083
الوقت الآن
الإثنين 2026/7/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير