الصيف يوقظ الحمّى النزفية من جديد
اميمة ابراهيم السامرائي
حين يدق الصيف الأبواب لا يوقظ الحر وحده بل يوقظ معه أمراضا كامنة تجد في تغير البيئة وحركة الحيوان وسلوك الإنسان فرصة للظهور. وتأتي الحمى النزفية مثالا واضحا على مرض لا يمكن فهمه طبيا بمعزل عن الحظائر والمراعي والمجازر وأساليب الوقاية, فهي ليست حادثة صحية عابرة بل علامة على اختلال توازن مفهوم الصحة الواحدة.
فالحمى النزفية (أو حمى القرم–الكونغو النزفية) لا تبدأ من جسد الإنسان وحده ولا تنتهي عنده. إنها مرض يقع في منطقة التماس بين القراد والحيوان والإنسان، حيث ينتقل الفيروس غالبا عبر لدغات القراد أو ملامسة دم وأنسجة الحيوانات المصابة أثناء الذبح أو بعده مباشرة. لذلك تظهر أغلب الحالات بين المربين والقصابين والعاملين في المجازر والأطباء البيطريين، أي بين الفئات التي تقف في الصف الأول من الخطر لا على هامشه. أما الحيوان فهو في هذه المعادلة ليس متهما بقدر ما هو ضحية صامتة ووسيط ناقل في الوقت نفسه. فالأبقار والأغنام والماعز قد تحمل الفيروس من دون أن تبدو مريضة وهنا تكمن الخطورة، فالحيوان الذي يبدو سليما واللحم الذي نشتريه من مصدر غير نظامي قد يحملان أكثر مما نراه على الميزان. والأرقام الحديثة لا تترك لنا رفاهية التعامل مع الحمى النزفية كخبر موسمي عابر. وبحسب ما أعلنته وزارة الصحة العراقية على لسان متحدثها الرسمي تم تسجيل 219 إصابة مؤكدة مختبريا و16 وفاة منذ بداية عام 2026 منها 23 إصابة و3 وفيات في الأسبوع الأخير من حزيران وحده. أي إن المرض لم يعد مجرد احتمال موسمي بل أصبح رقما يفرض نفسه على واقعا جدول الصحة العامة كل سنة.
مجازر نظامية
المشكلة إذن ليست في القراد وحده ولا في الحيوان وحده ولا في الإنسان وحده، بل في الخلل الذي يجمعها. حين تُربى الحيوانات داخل الأحياء السكنية بلا ضوابط وتتحرك المواشي في الشوارع بلا رقابة كافية ويُذبح الحيوان خارج المجازر النظامية ويتحول مجرى الدم الحيواني إلى مشهد مألوف في الأزقة والأسواق، عندها يصبح المرض نتيجة منطقية لا مفاجأة, وكأن الفيروس وجد في بعض مناطقنا ضيافة لا تليق إلا بالكرم العراقي حين يساء استخدامه.
لذلك لا يبدأ الحل من المستشفى بل قبل ذلك بكثير من خطة موسمية لا تنتظر ارتفاع الإصابات. نحتاج إلى رش الحظائر ومكافحة القراد، ومراقبة حركة المواشي، ومنع التربية العشوائية داخل الأحياء السكنية، وتفعيل المجازر النظامية بوصفها خط دفاع صحي. كما ينبغي تدريب القصابين والمربين والاطباء البيطريين والعاملين في المجازر على إجراءات الوقاية، وتعريف المواطن لماذا يشتري من مصدر نظامي، ولماذا يرتدي القفازات، ولماذا لا يستهين بالقراد، ومتى يراجع المؤسسة الصحية عند ظهور الحمى والصداع وآلام الجسم، خصوصا إذا كان على تماس مباشر مع الحيوانات.
فالوعي ليس منشورا يُقرأ وينسى بل سلوك يتكرر حتى يتحول إلى عادة. والصيف لا يوقظ الحر وحده بل يوقظ أسئلتنا المؤجلة: كيف نربي؟ كيف نذبح؟ كيف نشتري؟ وكيف نفهم أن الحيوان والبيئة ليسا هامشاً في حياتنا بل جزءا من أمننا الصحي؟