سارنوسكي يكشف الحقيقة المرّة في أحدث أعماله.. فيلم مختلف عن الشخصية الأسطورية روبن هود
سمير حنا خمورو
بعد إصدار فيلمه «خنزير» عام 2021، وكان اول فيلم روائي طويل له، وفيلم «مكان هادئ: اليوم الأول» عرض عام 2024، يُقدم المخرج مايكل سارنوسكي في الفيلم الثالث، رؤية جديدة لشخصية روبن هوود الأسطورية في «موت روبن هوود» . فهو لا يُصوّره كبطل الذي شاهدناه في العديد من الافلام؛ نبيل مغامر، خارج عن القانون، يقاوم الطغيان، وبطل رومانسي، يسرق من الأغنياء ويعطي للفلاحين الفقراء هكذا صورته الافلام السينمائية، لكن ماذا لو كانت كل تلك الشخصيات مبنية على أسطورة مختلقة، صُممت للتغطية على الحقيقة المُرّة: أنه في الواقع كان آلة قتل مُدمرة عديمة الضمير، لا تُبالي بأحد؟ هذا هو المنظور الذي تناوله كاتب السيناريو والمخرج مايكل سارنوسكي في الفيلم الجديد هذا. روبن هوود شخصية متخيلة، وبطل أسطوري ونموذجي من العصور الوسطى في إنكلترا. بدأ كقصة تُروى شفهيًا، ولكن كحال جميع التقاليد الشفوية، يصعب تحديد أصلها بدقة، ثم أصبح شخصية أدبية في القرن الرابع عشر، من خلال أعمال «بيرس فلاح» لويليام لانكلاند ، ولاحقًا بطلًا للعديد من الملاحم في القرن الخامس عشر مثل «قصة ليتل روبن هوود» وباعتباره شخصية خيالية شهيرة، فقد كان موضوعًا للعديد من الاقتباسات السينمائية عبر العصور، من الأفلام الصامتة إلى الناطقة، ومن أفلام التلفزيون إلى المسلسلات التلفزيونية .
أول ظهور لشخصية روبن هوود في السينما كان في خمسة افلام بريطانية في الفترة الصامتة، منها ؛ فيلم «روبن هود ورجاله المرحون» ، إخراج بيرسي ستو ، عام 1908، «روبن هود الخارج عن القانون» فيلم بريطاني بطولة أ. برايان بلانت في دور روبن هود عام 1912، «في أيام روبن هود» ، فيلم بريطاني، بطولة هاري أكار ليونز في دور روبن هود عام 1913. وفي السينما الاميركية فيلم «روبن هوود» بطولة دوكلاس فيربانكس وإينيد بينيت في دور الليدي ماريان، إخراج آلان دوان ، وكان أحد أغلى الأفلام في عشرينيات القرن العشرين، بميزانية تقدر بمليون دولار حقق الفيلم نجاحًا كبيرًا وتلقى بشكل عام مراجعات إيجابية، مدة الفيلم 127 دقيقة عرض عام 1922. وأول فيلم ناطق كان «مغامرات روبن هود» عام 1938 للمخرجين مايكل كورتيز وويليام كيلي، بطولة إيرول فلين في دور روبن هوود، أوليفيا دي هافيلاند في دور ماريان، يُعتبر هذا الفيلم، في نظر الكثيرين، أفضل أفلام روبن هود. ومن اشهر الافلام التي تناولت شخصية «روبن هوود: أمير اللصوص» للمخرج كيفن رينولدز عام 1991، بطولة كيفن كوستنر، موركان فريمان في دور عظيم الدين بشير الباكر، وماري إليزابيث ماسترانتونيو في دور الليدي ماريان، وفيلم «روبن هوود» للمخرج ريدلي سكوت عام 2010 بطولة روسيل كرو بدور روبن هوود، وكيت بلانشيت بدور أرملة السير روبرت أوف لوكسلي، وجاك داونهام في دور روبن الشاب. واخر من صور هذه الشخصية، المخرج البريطاني أوتو باثورست « في «روبن هوود» ، بطولة تارون إيغرتون في دور روبن، وإيف هيوسون في دور ماريان عام 2018. بلغت عدد الافلام الروائية 19 فيلم و6 افلام للتلفزيون و 10 مسلسلات تلفزيونية، كما هناك افلام ومسلسلات رسوم متحركة.
ألهمت قصة روبن هوود العديد من الأفلام الصامتة، أبرزها فيلم مغامرات عام 1922 للمخرج الأمريكي آلان دوان وبطولة دوغلاس فيربانكس. وبعد بضع سنوات، في عام 1938، قدم مايكل كورتيز نسخة مميزة، هذه المرة ناطقة وبتقنية تيكنيكولور، من بطولة إيرول فلين. وأصدرت ديزني فيلمها الكرتوني المقتبس عام 1973، مستوحيةً أيضاً من رواية رينارد (حكاية الثعلب رينارد). وفي عام 1991، جسّد كيفن كوستنر شخصية البطل الخارج عن القانون في نسخة تجارية من إخراج كيفن رينولدز، مزجت بين الملحمة والرومانسية والكوميديا. وأخيراً، يُعد فيلم ريدلي سكوت عام 2010، من بطولة راسل كرو، أحدث اقتباس مميز، حيث سعى المخرج إلى أن يكون أكثر واقعية وحملاً للقضايا السياسية، مع الحفاظ على طابعه الممتع. هذه المرة يجسد الممثل الأسترالي هيو جاكمان شخصية روبن هوود، في «موت روبن هود» للمخرج مايكل سارنوسكي، الذي بدأ عرضه في قاعات السينما الفرنسية في 1 تموز/ يوليو 2026. وكنت قد حظيت بفرصة مشاهدته في عرض خاص.
يبدأ الفيلم بداية قوية. فمنذ المشهد الافتتاحي، يفاجئنا الإخراج بعنفه الصريح والفظيع. مشاهد القتال قاسية ووحشية، السهام تخترق الرؤوس، وتُمزق الفؤوس الأحشاء، وتشق السكاكين الحناجر. تتميز هذه المشاهد الافتتاحية بهوية بصرية فريدة، حيث يصوّر المخرج سارنوسكي المشاهد بألوان قاتمة، إما نهار باهت أو ليل حالك السواد. في إنكلترا عام 1247، تتعقب الشابة وينرايت (جايد كروت) العجوز روبن هوود، الذي يعيش وحيدًا في البرية، مثقلًا بماضيه الدموي، ويرفض الحكايات التي جعلت منه بطلًا شعبيًا، تحاول وينرايت قتله، سعيًا للانتقام لأقاربها، لكنه يقتلها بوحشية ويدفنها مع العديد من الذين سعوا للانتقام منه.
ينقلنا المخرج في النصف ساعة الأولى من الفيلم إلى برد إنكلترا القارس في القرن الثالث عشر. روبن هوود البطل الخارج عن القانون، رجل مسن بشعر طويل أشعث ولحية كثيفة، مُحطّم ومُطارد بماضيه ويكره نفسه ويعيش في الجبال الثلجية باختياره.
لديه أيضاً الكثير من الأعداء، من أفراد عائلات ضحاياه، لدرجة أنه فقد القدرة على حصرهم. قضى حياته كلها في القتل والسرقة، إنه لص غير عادي، بارع للغاية في السرقة، ووحشي للغاية في القتل. نشاهد روبن يقتل ليس فقط الرجال، بل الأطفال أيضًا. ونعلم لاحقًا من إحدى الشخصيات أنه قتل العديد من الأمهات والزوجات والأطفال. نجده رجل ينتظر مصيره. يخبر غريبًا مسكينًا في بداية الفيلم أن كل الأساطير الرومانسية المحيطة بروبن هوود ليست سوى اكاذيب، هناك مشاهد قاسية للغاية من نواحٍ عديدة. ليس الأمر مقتصراً على مشاهد الطعن العنيف والرماية، حيث يقتل الناس بطرق مروعة، رؤوسهم تُهشم بالصخور أو أفواههم تُشقّ؛ لم يكن لديه سوى عدد قليل من الرفاق في حياته، أحدهم، ليتل جون (بيل سكارسجارد)، يعيش الآن في مزرعة باسم إدوارد.
يزوره ليتل جون ويطلب مساعدته لاستعادة مزرعته وزوجته وأبنته، التي اختطفتها قبيلة منافسة. ظنّ روبن أنها ستكون معركته الأخيرة، يشن الخارجان عن القانون غارة على المزرعة، ويذبحان العديد من الرجال وينقذان ابنة جون، ماركريت، لكن زوجته تُقتل. يحاول صبي يُدعى هندري تحذير عائلته لكن روبن يرميه بسهم يخترق رأسه. الأمور تسوء، بعد مواجهة دامية، يُصاب روبن بجروح خطيرة أثناء مبارزته لكبير القبيلة، وتبدو فيها حظوظه ضئيلة للغاية، ولا يتوقع النجاة. لكنه ينجو، إذ يُترك ظنًا أنه ميتٌ.
يقوم إدوارد بسحبه إلى الشاطئ ويأخذه بالقارب إلى دير القديس كليمنت في جزيرة صغيرة نائية، وينتهي به المطاف رجلاً مُقعداً مُنهكاً يستخدم أسم راندولف في رعاية راهبة طيبة، تُعالج جراحه، تُدعى الأخت بريجيد (جودي كومر)، والتي تُعدّ جزيرتها ملاذاً للأيتام والمصابين بالجذام وكل من يحتاج إلى رحمة من عالمٍ خالٍ من الرحمة. يستهزئ روبن قائلًا: «لا أحد يحمي الضعفاء»، قبل أن ينضم إليهم - لكن الأخت بريجيد تُشير إلى أن هذا التفكير لا يصح. فتمنحه فرصةً أخيرةً للتكفير عن ذنوبه.
في الجزء الثاني والرئيسي من الـفيلم تتخذ حياة روبن هوود في الدير منحىً مختلفًا تمامًا. يتباطأ إيقاع السرد بشكل ملحوظ، يتلاشى العنف تدريجيًا ليحل محله تأمل عميق. هنا يسود السكينة، حدائقٌ وشموعٌ ونورٌ ساطع. لطالما تاق إلى الموت، مدركًا ان أسطورة اللص الطيب كانت مجرد كذبة.
تهرب ماركريت (التي تؤدي دورها فيث ديلاني)، المصابة بصدمة نفسية، إلى الجزيرة بعد مقتل والدها إدوارد، لكنها سرعان ما تهرب. يعثر عليها روبن، وينقذ حياتها بعد أن أدرك أنها لا تعرف شيئًا عن ماضيه أو ماضي والدها، عندها تُعيد الفتاة الصغيرة فتح باب ماضي روبن المؤلم - ماضٍ يرغب الآن في إصلاحه قبل أن يودع هذه الدنيا وداعًا نهائيًا. ويجد نفسه مسؤولًا عنها، ويأخذها تحت رعايته، ويعلمها الصيد. تساعد بريجيد روبن وماركريت على التعافي، بينما يتأمل هذا الرجل العجوز ماضيه الوحشي، يستعيد بهجة الحياة من خلال مهام وأنشطة جديدة، حيثيساعد في توفير احتياجات الدير، من خلال صيد الحيوانات البرية. وسرعان ما يصل مرضى جدد إلى الجزيرة. وتنشأ بينه وبين رجل حكيم مصاب بالجذام ملفوف بالضمادات (موراي بارتليت الذي يصعب التعرف عليه) صداقة، والذي يتحدى هوود ليصبح جزءاً من مجتمعه الجديد ويتخلى عن عاداته القديمة إلى الأبد، ويقول له: «لم يفت الأوان بعد لإيجاد السلام». وعلى فراش الموت، يكشف الأبرص أنه تعرف على روبن، لأنه هو نفسه عدوه السابق، جاي من جيزبورن. يحث جاي روبن على تبني حياة جديدة، ويحذره من كشف الحقيقة لبريجيد.
في هذا الأثناء شاب مصاب يُدعى آرثر، ويشتبه روبن في أنه ينتمي إلى عائلة هندري التي قتلت جون وتعتزم قتل ماركريت. ولكي يحمي ابنة صديقه أبحر روبن إلى البر الرئيسي برفقة آرثر وأجبره على الاعتراف بأنه كودوين، آخر الناجين من عائلة هندري. أقنعه روبن بالتخلي عن سعيه للانتقام والعودة إلى عائلته التي تركها. عند عودته إلى بريجيد، اعترف روبن بأنه روبن هوود، مما أثار فزعها الشديد. في تلك الليلة، بينما كانت تُعالجه، بإخراج قطرات الدم من ذراعه. كشفت بريجيد أن عائلتها كانت من بين ضحاياه، حيث أحرق روبن زوجها وأطفالها أحياءً. فكرت للحظات في قتله انتقاماً.
حاول روبن إقناع بريجيد بمساعدته على الموت، لعجزه عن تحمل ذنب ماضيه. ورغم أنها أشارت إلى أن جرائمه الشنيعة قادتها إلى حياة جديدة في مساعدة وشفاء الآخرين، إلا أن روبن رفض السماح لبريجيد بوقف نزيفه هذه المرة. روى لماركريت قصة صداقته مع والدها جون، وأقسم لها على كتمان سر ماضي والدها. ثم أعطاها قوسًا صنعه لها وعلمها كيفية الرماية، ومات روبن لحظة إطلاق ماركريت سهمًا.
تكمن قوة الفيلم الأساسية في تفكيك وتشويه أسطورة روبن هوود؛ روبن ورفيقه المخلص ليتل جون ليسا البطلين اللذين عرفناها في القصائد والحكايات والأفلام. ليسا الشخصيتين الرومانسيتين اللتين تسرقان من الأغنياء لإعادة توزيع غنائمهم على الفقراء. إنهما قاتلان، رجال عنيفون، قطاع طرق بنوا أسطورة خيالية تمامًا حول أنفسهم. يبدو أن روبن لم يفعل في حياته سوى شيء واحد: سرد قصص جميلة لعدد كافٍ من السذج ليُقنعهم ببطولته. بينما هنا يصوره المخرج رجلاً مُسنًا مصاباً منهكًا من المعارك ومثقلًا بعبء أفعاله، وبذلك يمنح السرد الشخصية الرئيسية عمقًا آسرًا. كما اختفت في هذا الفيلم شخصيات تكررت في افلام عديدة مثل الحبيبة ماريان، شريف نوتنغهام الطامع بالاستياء على السلطة، لا ولائم احتفالية، ولا سهام تُطلق على الأعداء، ولا غابة شيروود، ولا مبارز رشيق.
تصور كاميرا المصور السينمائي بات سكولا اللقطات المقربة المذهلة للممثلين أو لحركاتهم، بألوان ترابية هادئة تبرز منها أحيانًا درجات الأزرق الصافية، لبعض الملابس كما في ملابس بريجيد، أو لون الشعر الأشقر المائل للحمرة. وايضا مناظر طبيعية إيرلندية خلابة تغمرها الأمطار باستمرار، وغابات يلفها ضباب كثيف، تساهم هذه الأجواء في منح الطابع الكئيب للفيلم. تُظهر كل لقطة اهتمامًا دقيقًا بالتكوين، حيث يسعى المخرج بوضوح إلى جمالية بصرية متقنة. اما موسيقى البريطاني جيم كيدي، وهذه أولى تجاربه السينمائية، حيث يُقدّم موسيقى تصويرية تُثير مشاعر الخوف والحزن، وتنسجم تمامًا مع روح العمل. لكنها حاضرة بقوة في كل المشاهد تقريباً.
طاقم الممثلين، قدموا أداءً رائعًا. هيو جاكمان أداؤه الجسدي والمؤثر رائع حتى في أكثر اللحظات هدوءاً، حيث تكفي نظرة خاطفة لنقل الإرهاق والندم الشديدين اللذين ينخران في شخصية روبن في سنواته الأخيرة. جودي كومر بدور الأخت بريجيد، ممثلة متميزة، إلى جانب فيث ديلاني التي جسدت بحساسية بالغة شخصية ماركريت الصغيرة، ابنة جون الصغير، بيل سكارسكارد في دور ليتل جون، اللص التائب والأب والزوج المُحب، موراي بارتليت بدور الأبرص، نوى جوب بدور آرثر، جيد كروت بدور واينرايت.
سيناريو واخراج مايكل سارنوسكي عن قصيدة «موت روبن هوود»، التي أُلفت في القرن السابع عشر، التصوير السينمائي بات سكولا، مونتاج أندرو موندشين، موسيقى جيم كيدي. مدة العرض 123 دقيقة.
تم عرض فيلم «موت روبن هوود» لأول مرة في مهرجان سيدني السينمائي الثالث والسبعين في 12 حزيران الماضي.