الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قصة نور ليلو (1)

بواسطة azzaman

قصة نور ليلو (1)

اصيل صباح الربيعي

 

الحلقة الاولى...

خلف الزجاج

المشهد الأول: بياض الطوارئ

لأول مرة منذ أكثر من ثلاثين عاماً قضاها واقفاً بثقة خلف منصات التدريس الجامعي، عاجزاً عن الإجابة عن أصعب الأسئلة، وقف الدكتور منير مشلول الإرادة.

لم يكن أمام طلبة، ولا داخل قاعة محاضرات، ولا في اجتماع لمجلس الجامعة.

كان يقف في قسم الطوارئ.

كل شيء من حوله كان أبيض؛ الجدران، الأسرة، ملابس الأطباء، وحتى الضوء البارد المنبعث من السقف، وكأن المكان كله صُمم ليجرّد الإنسان من أي شعور بالأمان.

على السرير المعدني كانت ابنته الصغرى نور، ذات الأعوام الثمانية، ممددة بلا حراك. وجهها الذي اعتاد أن يفيض بالحيوية بدا شاحباً كالملح، وعيناها الصغيرتان مغلقتين بإحكام، بينما كانت الأجهزة المحيطة بها ترسم بإيقاعها المنتظم موسيقى ثقيلة لا تشبه الحياة.

اقترب منير حتى أمسك بحافة السرير الحديدية بكلتا يديه.

لم يكن يمسك السرير...

كان يتشبث بنفسه حتى لا ينهار.

على الطرف الآخر من الممر، استقر هاتف ابنه الأكبر أحمد فوق المقعد الخشبي. كانت شاشته تضيء كل بضع ثوانٍ بإشعارات ورسائل جديدة، دون أن تمتد إليها يد.

ذلك الهاتف، الذي ظل سنوات طويلة الجدار الأخير الفاصل بين أحمد والعالم، كان اليوم أول شيء تخلى عنه دون أن يشعر.

ولم ينتبه أحد.

فكل الأنظار كانت معلقة بالطفلة الصغيرة التي كانت تخوض معركة صامتة بين الحياة والموت.

 

 

 

 

 

المشهد الثاني: بيت يفيض بكل شيء... إلا الدفء

قبل هذه الليلة، كانت حياة الدكتور منير تسير في مسارين متوازيين.

في الجامعة، كان يخوض سباقاً لا يهدأ للفوز بمنصب إداري رفيع. اجتماعات، ملفات، بحوث، لجان، واتصالات لا تنتهي. كان يؤمن أنه يبني مستقبلاً أفضل لأسرته، وأن كل ساعة يقضيها بعيداً عن البيت هي استثمار في رفاهيتهم.

وفي المنزل، كان يحرص على ألا ينقص أبناءه شيء.

أفضل المدارس.

أفضل الملابس.

أفضل الأجهزة.

وأحدث الهواتف.

كان يعتقد أن الحب يمكن أن يُقاس بما يقدمه لهم من وسائل الراحة.

لكن شيئاً آخر كان ينمو بصمت...

العزلة.

أصبح أحمد مجرد ظل يعبر أروقة المنزل.

يخرج من غرفته عند موعد الطعام، يملأ طبقه بصمت، يجلس دقائق قليلة دون أن يرفع رأسه عن شاشة هاتفه، ثم يعود إلى غرفته، حيث يمتد عالمه الافتراضي إلى ما بعد منتصف الليل.

حاول منير مرات كثيرة أن ينتزعه من ذلك العالم.

كان يوبخه أحياناً...

ويصرخ أحياناً أخرى...

ويصادر الهاتف في بعض المرات...

لكن شيئاً لم يتغير.

أما البنات، فكن أكثر هدوءاً، وأكثر التزاماً، لكن ذلك الهدوء لم يكن يطمئنه.

كان يشعر أن الحماس اختفى من البيت.

حتى ابنته الكبرى، التي كانت تستعد لامتحانات السادس الوزاري، كانت تؤدي واجباتها اليومية كما لو أنها تنفذ برنامجاً محفوظاً، بلا شغف، ولا حديث، ولا أحلام تملأ المكان.

كان البيت مثالياً...

وناقصاً في الوقت نفسه.

كل شيء موجود...

إلا الجلسات الطويلة.

إلا الضحكات العفوية.

إلا الأحاديث التي تجعل البيت بيتاً.

أما هو، فلم يكن يرى في ذلك كله سوى مرحلة عابرة ستنتهي عندما يكبر الأبناء.

ولم يكن يعلم أن السنوات كانت تبني بينهم جداراً لا يُرى.

 

 

الجزء الثاني... حيث تبدأ الأزمة الحقيقية

 

 

الحلقة الثانية...

(خلف الزجاج)

المشهد الثالث: رجل الأزمة

انقطع شريط أفكار الدكتور منير مع خروج الطبيب المناوب من غرفة الطوارئ.

كان يسير بخطوات سريعة، وعلى وجهه ذلك الهدوء الذي يخشاه أهالي المرضى أكثر من أي كلمة.

توقف أمامه وقال:

– دكتور منير... ابنتكم نور مصابة بداء السكري من النوع الأول. حالتها حرجة، وسننقلها حالاً إلى العناية المركزة.

لم يسمع منير ما قيل بعد ذلك.

تداخلت الأصوات من حوله، حتى بدت كأنها تأتي من مكان بعيد.

سمع صرخة زوجته، ثم ارتطام جسدها بالأرض، لكن الكلمات التي خرجت من فم الطبيب كانت قد ابتلعت كل شيء.

شعر بأن الأرض تميل تحت قدميه.

اختل توازنه، وكاد يسقط، قبل أن تمتد يد قوية تمسك بذراعه.

كانت يد أحمد.

قال بصوت ثابت، يخفي وراءه قلقاً عميقاً:

– تماسك يا أبي... أنا معك.

رفع منير رأسه ببطء.

نظر إلى ابنه...

ولأول مرة منذ سنوات، لم يرَ الشاب المنعزل الذي يغلق باب غرفته على عالمه الخاص.

كان أمامه شاب يعرف ماذا ينبغي أن يفعل.

خلال دقائق قليلة، تبدلت الأدوار.

أمسك أحمد بملف نور، واستفسر من الأطباء عن خطة العلاج، وأنهى إجراءات النقل إلى العناية المركزة، وردّ على اتصالات الأقارب، ثم أخذ يتنقل بين الممرات بخطوات سريعة، يسأل هنا، ويوقّع هناك، ويوجه هذا، ويطمئن تلك.

كان يتحدث بثبات...

لكن أصابعه كانت ترتجف كلما أمسك قلماً للتوقيع.

أما الدكتور منير...

فكان يسير خلفه بصمت.

ولأول مرة منذ زمن طويل...

كان الأب يتبع ابنه.

بينما كانت الممرضة تدفع سرير نور نحو العناية المركزة، التفت أحمد إلى شقيقته الكبرى سارة.

كانت تحاول أن تحبس دموعها، وتضم حقيبتها إلى صدرها.

اقترب منها ووضع يده على كتفها.

قال بهدوء:

– سارة... أريد منك شيئاً واحداً.

نظرت إليه بصمت.

عودي إلى البيت. اهتمي بأخواتك، وإذا احتاجت أمي أن ترتاح قليلاً، كوني بجانبها. سوف احاول ان ارسلها معك للبيت

أومأت برأسها.

أنزلت حقيبتها قليلاً.

كان كتاب الفيزياء يبرز من فتحتها، وقد امتلأت صفحاته بعلامات المراجعة الأخيرة استعداداً لامتحان السادس الوزاري.

مدّت يدها لتدفعه إلى الداخل.

أغلقت السحاب...

وحملت الحقيبة.

ثم خرجت بصمت. ولكن من دون امها.

وقف الدكتور منير يراقب أبناءه.

أحمد...

الذي ظنه لسنوات أسيراً لهاتفه...

كان يقود الجميع بهدوء.

وسارة...

التي كان يخشى أن يشتتها مرض اختها عن أهم امتحان في حياتها...

كانت تغادر وهي تحمل هماً أكبر من الكتب.

نظر إليهما طويلاً.

ثم همس لنفسه:

أم أن كل هذا كان موجوداً منذ زمن... وأنا لم أكن أراه؟

 

(الجزء الرابع)

عندما تبدأ أبواب المستشفى بالانفتاح على الوجوه المألوفة، يكتشف الدكتور منير أن المرض لا يكشف حال المريض فقط... بل يكشف معادن البشر أيضاً.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خلف الزجاج

 

المشهد الرابع: امتحان القلوب

 

مرّت الأيام الثلاثة الأولى ببطء لم يعرفه الدكتور منير من قبل.

في المستشفى، لم تعد الساعات تُقاس بعقارب الزمن، بل بنتائج تحاليل السكر، وعدد مرات استجابة نور للعلاج، وبالجملة التي كان الجميع ينتظر سماعها كل صباح:

"الحالة مستقرة."

كانت كلمات قليلة...

لكنها كانت تكفي لتمنح الأسرة يوماً آخر من الأمل.

أما الأم، فلم تغادر مكانها منذ دخول نور إلى العناية المركزة.

كانت تجلس إلى جوار سريرها، تمسك يدها الصغيرة، وتراقب ملامحها أكثر مما تراقب أجهزة المراقبة.

كلما فتحت نور عينيها، وجدت أمها أمامها.

وكلما أغمضتهما، بقيت الأم في مكانها، كأنها تخشى أن تستيقظ ابنتها فلا تجدها.

 

وأحمد...

أصبح يقطع الطريق بين البيت والمستشفى مرات عدة في اليوم.

يطمئن على أخواته.

يحضر ما يحتاجه والداه.

يتابع مع الأطباء.

ويرد على عشرات الاتصالات التي لم تعد تنقطع.

لم يكن ينتظر أن يطلب منه أحد شيئاً.

كان يرى ما يحتاجه الجميع...

ويفعله.

 

 

في البيت...

 

كانت سارة قد استلمت مسؤولية لم يخبرها أحد كيف تؤدى.

توقظ شقيقتيها.

تعد لهما الإفطار.

تطمئنهما بأن نور ستعود قريباً.

ثم تختلي بنفسها آخر الليل.

تفتح كتاب الفيزياء.

تقرأ السطر نفسه مرات...

ثم تغلقه.

وترفع يديها بالدعاء.

 

وفي المستشفى...

بدأت الوجوه المألوفة تصل تباعاً.

دخلت عمات نور الواحدة تلو الأخرى.

إحداهن كانت تخفي دموعها خلف دعاء لا ينقطع.

وأخرى جاءت تحمل الطعام، لكنها لم تستطع أن تفتح الوعاء من شدة ارتجاف يديها.

وثالثة احتضنت أبو نور طويلاً...

دون أن تقول كلمة.

كان الصمت، أحياناً، أبلغ من المواساة.

ولم يتأخر جدّا نور عن الحضور.

كانا يأتيان كل صباح قبل الجميع تقريباً، ويغادران آخر النهار على أمل أن يحمل اليوم التالي خبراً يطمئن القلب.

كانت نور أقرب الأحفاد إلى روحيهما.

الطفلة التي اعتادت أن تمضي عندهما أياماً، وربما أسابيع كاملة، تملأ البيت ضحكاً وحركة، وتصر أن تنام بينهما كلما زارتهما.

وكان الجد يقول مبتسماً كلما دخلت بيته:

"اليوم عاد النور إلى الدار."

أما اليوم...

فكان يجلس أمام باب العناية المركزة، قابضاً على مسبحته، يحرّك حباتها ببطء، بينما عيناه لا تفارقان الباب المغلق.

إلى جواره، كانت الجدة تمسح دموعها بطرف عباءتها، وتردد بين حين وآخر:

"اللهم اشفِ نور... وأعدها إلينا كما كانت."

ولم يكن أحد يملك جواباً سوى الصمت.

وتوالى حضور الأقارب والأصدقاء.

كل واحد جاء يحمل شيئاً مختلفاً.

دعوة صادقة.

كلمة طيبة.

ابتسامة تحاول أن تخفف ثقل المكان.

أو دمعة عجز صاحبها عن إخفائها.

في تلك الأيام...

اكتشف الدكتور منير أن الشدائد لا تجمع الناس فقط...

بل تكشفهم أيضاً.

 

وفي مساء اليوم الثالث، دخلت الدكتورة يسرى.

زميلة منير في الجامعة، وصديقة الأسرة منذ سنوات طويلة.

اقتربت من الأم، واطمأنت على نور، ثم جلست إلى جوار منير.

لم تسأله عن الجامعة.

ولا عن المنصب الذي كان يسعى إليه.

 

اكتفت بالنظر إليه، وقالت بهدوء:

"ستتجاوزون هذه المحنة بإذن الله... لكن لا تسمح لها أن تمر دون أن تعلّمكم شيئاً."

لم يجبها.

اكتفى بهزة رأس خفيفة.

غير أن كلماتها بقيت تتردد في داخله.

بعد ثلاثة أيام، أعلن الطبيب أن حالة نور بدأت تستقر.

لم تخرج من دائرة الخطر تماماً...

لكنها تجاوزت المرحلة الأصعب.

عندها أصرت زوجته أن يعود إلى البيت لساعات قليلة.

"اذهب... استحم، وبدّل ملابسك، ونم قليلاً. أنا لن أغادرها."

خرج متثاقلاً.

 

فتح باب المنزل.

استقبله صمت لم يعرفه من قبل.

كان كل شيء في مكانه...

إلا نور.

دخل غرفته.

وقعت عيناه على ملفات ترشحه للمنصب الإداري، وإلى جوارها البحوث والخطط التي كان يقضي الليالي في إعدادها.

اقترب منها.

مرر يده فوقها ببطء.

ثم جمعها كلها.

فتح درج المكتب.

ووضعها في داخله.

وأغلقه.

 

جلس على الكرسي.

وأغمض عينيه.

وانهمرت دموعه بصمت.

لأول مرة منذ سنوات...

لم يكن يبكي أستاذاً جامعياً.

ولا باحثاً.

ولا مرشحاً لمنصب.

كان يبكي...أباً.

 

 

 

يتبع في المشهد الخامس...

 

هناك، خلف الزجاج، سيدرك الدكتور منير أن بعض الحواجز لا تصنعها جدران المستشفيات... بل نصنعها نحن، بصمتٍ، بين من نحب.

 

خلف الزجاج

المشهد الخامس: عشرة أيام

 

لم تعد الأسرة تعرف اليوم من الأمس.

في المستشفى، كانت الأيام تُقاس بشيء واحد...

نتيجة تحليل السكر.

وكلمة الطبيب في نهاية كل صباح.

مرّ اليوم الرابع...

ثم الخامس...

ثم السادس...

حتى بدا وكأن الزمن توقف عند باب غرفة نور.

 

في بيت الجد، كان الانتظار يسير بطريقة أخرى.

لم يعد الجد قادراً على الحضور إلى المستشفى كل يوم.

كانت خطواته أثقل مما كانت عليه في السنوات الماضية، ولم تعد صحته تحتمل ساعات الجلوس الطويلة.

أما الجدة، فكانت ترفض أن تبتعد عن هاتف المنزل.

تجلس إلى جواره منذ الصباح، وما إن يرن حتى تلتقط السماعة قبل الجميع.

لا تسأل إلا سؤالاً واحداً...

 

"شلون نور؟"

ثم ت


مشاهدات 55
الكاتب اصيل صباح الربيعي
أضيف 2026/07/11 - 1:50 PM
آخر تحديث 2026/07/12 - 2:48 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 161 الشهر 11935 الكلي 15917062
الوقت الآن
الأحد 2026/7/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير