لماذا لذت بعزلتي النبيلة ؟
عبد المنعم حمندي
لقد أمضيتُ أكثر من نصف قرنٍ من عمري في محراب الكلمة، ليس كعابرِ سبيلٍ يبتغي كسباً أو تصفيقاً، بل كمتبتلٍ يرى في الشعر عبادةً، وتهجداً، وقضيةً كبرى لا تقبل المساومة.
واليوم، حين ألتفتُ إلى مسيرتي التي أثمرت عشرين كتاباً، وأرى أكثر من خمسين قصيدةً أخرى ما زالت غافيةً في عتمة أدراجي، يتساءل البعض: أهو زهدٌ أم حياء؟ وأقول لهم: هو كبرياء القصيدة، وعفة النفس التي لا ترتضي الابتذال.
إن ابتعادي عن المشهد الثقافي المعاصر، ولوذي بعزلتي الاختيارية، لم يكن يوماً انكفاءً أو عجزاً، بل هو موقفٌ فكري وجمالي واعي اتخذتُه في مواجهة الفوضى العارمة. لقد غدت الأضواء اليوم تُصنع بصخب المنصات، وبآليات التسويق والترويج التجاري التي تحكمها الخوارزميات، وهو فضاءٌ غريبٌ عن روحي. كنتُ أكسر عزلتي بالسفر إلى مدنٍ أحبّها، أواري فيها غضبي وحزني، وأجدد طاقتي ، لأعود إلى صومعتي في وطنٍ علمّني،النأي بالنفس غاية الغنى، والصمت أقصى الكلام وأعني هنا العُزْلَةُ ليست انْكِفَاءً بَلْ هِيَ التَّأْسِيسُ الأَعْمَقُ للحرية! الشاعر الحقيقي لا يحسن تسويق نفسه، ولماذا يفعل؟ فالقصيدة الأصيلة ليست سلعةً تُعرض في أسواق المزايدات الأدبية، بل هي قطعةٌ من دم القلب والقلق الوجودي، وهي التي يجب أن تبحث عن قارئها النوعي والنخبوي، لا أن يستجدي الشاعر لها عابرين.
هذه العزلة التي اخترتُها هي صونٌ لكرامة النص وحيائه الفني؛ فأنا أتعامل مع القصيدة بقدسيةٍ تجعلني أربأ بها أن تنحدر إلى مجاراة الرائج، أو أن تُبتذل في طوابير العلاقات العامة والمجاملات العابرة التي تصنع نجوميةً مزيفة. الحياء هنا هو «حياء الإبداع» وعفته، والترفع هو عزة النفس التي تمنعني من خوض معارك الظهور الوهمي. لقد اكتفيتُ بمنجزي الرصين، مخلصاً لأدواتي وبنائي الشعري الصارم، ومؤمناً بأن الفن النبيل يجب أن يظل محلقاً في فضاءاته العليا، بعيداً عن تملق الذائقة العامة أو التسطيح. إنني أكتب للأثر الباقي، وعيني على غربال التاريخ الصارم الذي لا يرحم؛ فكل هذا الضجيج وصخب الانتشار المعاصر سيتلاشى ويزول كالزبد، ولن يمكث في الأرض إلا النص الصادق الذي يمس الأرواح في جوهرها.
لذلك، سأظل لائذاً ببعدي، معتكفاً في محرابي، حارساً لسر الكلمة وكبريائها، فما كانت الكتابة يوماً وسيلةً للشهرة، بل كانت وما زالت.. قضيتي الوجودية الأسمى..،!