في معرض الخافور ينطق اللون شعراً
فنان يستدعي ذاكرة الرافدين ليحاور بها التجريد المعاصر
بغداد - علي الدليمي
بحضور نخبوي جميل، افتتح السبت الماضي على قاعد أكد للفنون في بغداد، المعرض الشخصي الأول للفنان والشاعر موسى الخافـــــور، ليقدم للمرة الأولى تجربته التشـــــكيلية التي نضجت طويلاً في هامش القصيدة.
ستة دواوين شـــــعرية للكبار والصغار سبقت هذا الظهور، ومقالات منشورة داخل العراق وخارجه، لكن اللوحات جاءت هذه المرة لتقول ما عجز عنه الحبر وحده. نحن أمام بنية بصرية متكاملة لا تنفصل فيها عين الرسام عن روح الشاعر.. لا يرسم الخافور ليرصد، بل ليترنم، يأخذ «التعبيرية الرمزية» منطلقاً، فيحول المساحة البيضاء من سجل محايد إلى فضاء شعري مشحون بالدلالات الإنسانية والفلسفية. اللوحة عنده ليست انعكاساً للواقع بقدر ما هي ترجمة وجدانية له، كما لو أن قصيدة تكتب بألوان بدل كلمات.. يتكرر في أعماله ثلاث أيقونات تؤسس معجماً بصرياً خاصاً: المرأة، والطائر، والقمر. الوجه الأنثوي لا يظهر كملامح واقعية، بل كحضور أسطوري.. إنه «عشتار» معاصرة، أو الأرض بذاكرتها وخصوبتها.
في إحدى اللوحات التي يطغى عليها اللون الأخضر المشع، تتحول عينا المرأة إلى حارسة لمدينة بشرية، متوجة بتاج ذهبي يربط الحاضر بالأسطورة.. والطائر، غالباً الحمامة البيضاء، يأتي كثيمة خلاص، يباغت العتمة الرمادية والبنية ببياض ناصع، أو يستقر ملوناً على غصن وسط ظلال وجوه متلاحمة، فيصير جسراً بين المرئي والحلم.
أما الأهلّة والشموع فتمنح المعرض زمنه الخاص: ليل صوفي أبدي تبحث فيه الأشكال عن بقعة ضوء، يعزها وهج هلال أصفر أو شموع معزولة وورود بيضاء كأنها صلوات صامتة.
يتعامل الخافور مع اللون بجرأة لا تخشى التناقض. يبني خلفيات من رماديات وبنيات وسواد عميق، لا بوصفها عدماً بل كتربة خصبة تنبثق منها كتل صفراء وبرتقالية حادة.. هذا التضاد الدرامي يسلط الضوء على الأيقونة ويجعلها تنبض في قلب الظلمة.
وفي لوحات أخرى ينقلنا إلى فضاء مائي أو غابوي، حيث ينساب الأزرق الفيروزي بخطوط عمودية تشبه المطر فيغسل الوجوه، بينما يتمدد الأخضر كرمز للحياة المتجددة، متداخلاً مع إشارات هندسية توحي بالنمو والحركة. ولا يكتفي بالتشخيص، حيث يزرع في نسيج اللوحة علامات سيميائية: خطوط متقاطعة، مثلثات، مربعات صغيرة، حروف لاتينية، أسهم. تبدو كشفرات سرية أو كتابات بدائية معاد اكتشافها، تمنح العمل بعداً بحثياً وأكاديمياً. في لوحة رمادية بنفسجية تتشكل خطوط انسيابية تشبه نخلة أسطورية، محاطة بنقاط ورموز حادة، وكأن الفنان يستدعي ذاكرة الرافدين ليحاور بها التجريد المعاصر. وفي الخلفية دوماً ظلال باهتة لحشود بشرية تسير في امتداد اللون، تذكير صامت بالاغتراب والبحث الجماعي عن هوية وعن نور في غابة من الخطوط المتشابكة.
تجربة موسى الخافور إذن هي اختزال واع للواقع وإعادة صياغته عبر فلاتر الرمز والتجريد.. يستخدم الخط الحر والضربة اللونية الواثقة لا ليغلق المعنى، بل ليفتحه.. يترك للمتلقي المساحة ذاتها التي تتركها القصيدة الحديثة: أن يكمل النص. فالحرفية هنا تجاوزت المحاكاة لتصبح سؤالاً عن جوهر اللون، وعن قدرة الرمز على حمل ثقل الإنسان. في هذا المعرض الأول، لم يقدم الخافور لوحات فقط، بل قدم ديواناً بصرياً. ديواناً عنوانه السلام، وفصله الأول الحب، وخاتمته الجمال.
□ الخافور، مواليد بغداد عام 1960، دكتوراه أدب مقارن، بكالوريوس أدب لغة عربية – جامعة صلاح الدين 1993، بكالوريوس رسم – كلية الفنون الجميلة 2012، عضو إتحاد الأدباء والكتاب في العراق. كما شغل مهام صحفية وأدبية عدة.