حلم لم يكتمل في أروقة لندن
قصة المصحف.. الرمز والفنان الذي خانه الوقت
النجف - حسن الجرّاح
في أحد أركان لندن الهادئة حيث تختلط ضبابية المدينة برائحة الورق المعتق وذكريات بغداد، ترقد مئات الصفحات المخطوطة بعناية فائقة قبل 33 عاماً، تنتظر حبراً لم يجرِ ، و طباعة لم ترَ النور.
إنها أوراق «المصحف الرمز»، المشروع الذي نذر له الفنان الإثنوغرافي العراقي الراحل ناظم رمزي 1928-2013 سنوات عمره الأخيرة، ليصبح اليوم شاهداً صامتاً على طموح فني جبّار و أقدار أبت أن تكتمل.
بدأت الحكاية في بغداد عام 1988 في خضم مهرجان بغداد العالمي الأول للخط العربي. كان الراحل ناظم رمزي المصمم والمصور والخطـــــــــــاط والتشكيلي، الذي حمل معه هموم الفن العراقي في عدسته وريشته، يبحث عن «اليراع» التي سيخط حلمه لم يكن يبحث عن خطاط فحسب بل عن شريك في تجربة بصرية معقدة.
وجد ضالته في الدكتور روضان بهية، الخطاط الذي كان لتوّه يحصد الجائزة الأولى في المهرجان، يتذكر بهية ذلك اليوم بتأثر: «جاء إليّ الراحل الأستاذ إسماعيل فتاح الترك 1934-2004 وقال إن رمزي يبحث عنك إقتربت منه؟ فبادرني بلهجة مرحبة: لدي مشروع خط المصحف، ووقع إختياري عليك.
لم تكن مجرد دعوة لعمل بل كانت بداية رحلة شاقة إمتدت لسنوات من الصبر والمطاولة.
لم يكن «المصحف الرمز» مشروعاً تقليدياً أراد رمزي بتطلعه الدائم للتحديث أن يمزج بين أصالة التراث وروح الحداثة .. وضع تصميماً فريداً للسطح الورقي، حيث تُقسم الصفحة إلى ثلاثة مستطيلات ، خمسة أسطر بخط النسخ، تتوسطها ثلاثة أسطر بخط الثلث، لتنتهي بخمسة أسطر أخرى من النسخ.
يقول بهية عن صعوبة هذا التصميم (كان التحدي الأكبر أن تنتهي كل صفحة بنهاية آية، لا يجوز القطع. كان عليّ توزيع الآيات بقلم الرصاص بدقة متناهية قبل التنفيذ بالحبر، كانت ورشة العمل تمتد عبر القارات صفحات تُكتب في بغداد وتُرسل عبر وسطاء إلى لندن ، حيث يعكف رمزي على تصميم زخـــــــارف نباتيــــــة إسلامية بلمسة معاصــــــــرة، محــــــــــــاولاً الخروج من القوالــــــب القديمــــــة دون التخلي عن هيبتها إستغرق الخط وحده أكثر من خمس سنوات من الجهد المتواصل، بينما أستمر رمزي في وضع اللمسات التشكيلية والتدقيق لنحو إثني عشر عاماً كان مكتبه أشبه بمختبر لإنتاج الجمال، حيث تتداخل السياسة والثقافة والفن).
أزمة القلب
بينما كان رمزي يضع اللمسات الأخيرة على مشروع حياته، في رحلته المهجرية التي بدأت بعد مغادرته العراق عام 1986، كان القدر يكتب فصلاً آخر. لقد نال منه التعب وداهمته أزمة قلبية حادة لم تمنحه فرصة رؤية المصحف مطبوعاً بين أيدي الناس كما حلم. رحل ناظم رمزي في 18 سبتمبر/ ايلول 2013 بلندن، تاركاً خلفه إرثاً بصرياً ضخماً، وما يُعرف بـ المصحف الرمز» حبيس الخزائن.
اليوم لا تزال الصفحات الأصلية محفوظة لدى عائلته في لندن، بينما يحتفظ الدكتور بهية بنسخ مستنسخة، كأمانة لعمل كان من المفترض أن يكون أيقونة في تاريخ الخط العربي الحديث.
يقول الخطاط و الشاعر الراحل محمد سعيد الصـﮕار 1934-2014 في وصفه لرمزي: «ناظم رمزي لا يوحي هذا الإسم بأي إنتماء عرقي أو ديني أو طائفي لم يكن همّه سوى أن يكون رمزي، وفي مكان آخر قال عنه «كانت كل ممارسات رمزي تتسم بالريادة والتجديد، وكان لشخصه الودود المتواضع ذلك الحضور الأنيق».
لقد كان الرجل الذي وثّق بـ«عدسته المنصفة» كل تفاصيل العراق، من بساطة فلاحي الهور إلى عظمة جوامع بغداد، مصمماً و خطاطاً وفوتوغرافياً لم يركض خلف الأضواء بل جعل عمله هو ما يخطف الأضواء.
إن «المصحف الرمز» ليس مجرد أوراق مخطوطة هو وثيقة إنسانية تروي قصة فنان عراقي ظل مخلصاً لفنه حتى الرمق الأخير، ورغم أن المنية سارعت إليه قبل أن يكتمل الحلم، إلا أن تلك المخطوطات تظل، في جوهرها، إنتصاراً للجمال على العبث، حتى في أصعب الظروف وأقسى لحظات الإغتراب.
قالت الناشطة السياسية والمغتربة العراقية الراحلة بشرى برتو 1933-2017 بعد اتمام مراسيم دفن رمزي:» لم يكن سياسياً ولم ينتمِ لحزب، و لكنه كان انساناً تقدمي النظرة. عمل نسخة من القرآن جديدة وبذل وسعه فيها وإستغرقت منه فترة بقائه بلندن مع تصحيح و تدقيق النسخة الخطية عبر مراسلة الأزهر، وكانت نسخة رائعة جميلة جداً وكان فخوراً بها. كان لديه مكتب في لندن و لكنه تقاعد عن العمل بعدما أنجز نسخة القران».
عينُ العراق البصيرة
ولد ناظم رمزي في بغداد عام 1928 لعائلة كردية من عشيرة الجاف العريقة، المنتشرة في السليمانية و كركوك وكفري وكلار وخانقين إسمه الحقيقي محمد رمزي بن سعيد بك بن محمود باشا بن أحمد آغا الجاف شق طريقه في عالم الفن ليصبح علامة فارقة في تاريخ الثقافة العراقية لم يكتفِ بكونه مصوراً فوتوغرافياً التقط بعدسته جوهر الحياة العراقية من السهول إلى الأهوار، بل كان رائداً في تحديث الطباعة وإخراج الكتب والمجلات في العراق أسس شركة «رمزي للطباعة والإعلان» التي كانت منبراً للحوارات الفكرية والفنية بعد رحلة إبداعية حافلة بالمعارض التشكيلية وفنون الكاريكاتير أضطر لمغادرة العراق في الثمانينيات ليستقر في لندن، حيث واصل نشاطه الإبداعي حتى وافته المنية في 18 أيلول 2013، ودفن غريباً في مقبرة پُتني ﭬيل جنوب غرب لندن، تاركاً إرثاً بصرياً يُوثق ذاكرة وطن.
ألّف رمزي ثلاثة كتب مرجعية في توثيق العراق بصرياً، الأول عام 1989 في لندن عنوانه «العراق: الأرض والناس»، والثاني عام 2009 في بيروت عنوانه «العراق لقطات فوتوغرافية لبعض ملامح الحياة في القرن العشرين»، والثالث عام 2010 في عمان الأردن وعنوانه «جولتي مع الكاميرا».
حارس الحرف
اما روضان بهية فهو أستاذ الخط العربي والزخرفة الإسلامية، و شخصية أكاديمية وفنية مرموقة في المشهد العراقي إسمه عبد الرضا بهية داوود من مواليد بغداد 1952، إرتبط إسمه بالعديد من المشاريع الكبرى ، لكن يظل مشروع «المصحف الرمز» ذروة عطائه الحرفي نال الجائزة الأولى في مهرجان بغداد العالمي الأول للخط العربي والزخرفة الإسلامية عام 1988، وهو العام ذاته الذي بدأت فيه رحلته مع ناظم رمزي. تميز بهية بكونه خطاطاً أكاديمياً يجمع بين دقة الأداء والموهبة الفطرية، حيث قضى أكثر من خمس سنوات في كتابة المصحف، مبرهناً على قدرة فائقة في الموازنة بين قواعد الخط الصارمة وجماليات التكوين المعماري للصفحة.
شغل بهية منصب رئيس جمعية الخطاطين العراقيين من العام 2006 ولغاية 2023، وهو عضو في هيأة تحكيم المسابقة الدولية لفن الخط العربي في مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية (إرسيكا)، التي تقام كل ثلاث سنوات في إسطنبول، وعضو لجنة تحكيم ملتقى رمضان لخط القرآن الكريم، الذي تقيمه وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع في دبي منذ العام 2009 له أعمال خطية شاخصة أستخدمت في عمارة العتبات المقدسة في العراق أجازه الخطاط مهدي الجبوري إجازة الخط التقليدية، وتتلمذ على الخطاط الدكتور سلمان ابراهيم العيسى أول رئيس لجمعية الخطاطين العراقيين عام 1974. شغل رئاسة قسم الخط العربي والزخرفة في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، و عمل أستاذاً في نفس الكلية في مادتي الخط العربي و الزخرفة و التصميم لحين تقاعده عام 2017.
نهاية المطاف
إن «المصحف الرمز» ليس مجرد أوراقٍ مخطوطةٍ رهينة الخزائن ، بل هو تجسيد لملحمة بصرية عراقية نادرة ، ولدت من رحم إلهامٍ تأريخي إستلهمه رمزي من مصحف «روزبهان» المحفوظ في مكتبة تشستر بيتي في ايرلندا، والذي خطه قبل 500 عام الخطاط روزبهان محمد بن نعيم الطبعي الشيرازي، لتؤلف في كل صفحة لغة فنية متجددة، حيث تتراقص حروف النسخ مع شموخ الثلث، وتتفتح وحدات الزخرفة في تجلٍّ بصري لا يعرف الرتابة.
إن هذا الإرث الذي أفنى فيه الفنان الراحل ناظم رمزي عمره، وخطّه الدكتور روضان بهية ببراعة المبدع الصبور، يمثل أمانةً وطنية وكنزاً إسلامياً بصرياً لا يجوز أن يظل طي النسيان.
لا يزال المشروع كاملاً من الناحية الفنية، وينتظر فقط جهةً تتبنى تمويل طباعته و إخراجه بالتوافق مع أصحاب حقوق الملكية الفكرية من ورثة الراحل ناظم رمزي، ومن هنا نوجه نداءً عاجلاً إلى المؤسسات الثقافية العراقية، والعتبات المقدسة ودواوين الوقف ووزارة الثقافة، لتبني هذا المشروع الريادي، والعمل على إخراجه للعلن بطباعة فاخرة تليق بعظمة الخط العربي العراقي، ليكون «المصحف الرمز» شاهداً حياً على إصرار العقل العراقي على الإبداع، ومرجعاً بصرياً ينهل منه عشاق التراث الإسلامي حول العالم.
إن تبني هذا المشروع ليس مجرد طبع لمخطوطة، بل هو إنتصار للجمال العراقي الذي أبى أن يغيب، ووفاءٌ لرحلة فنانٍ نذر حياته ليحفظ للعراق هويته البصرية في ذاكرة الزمن.