الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
فنان يتنقّل بين التجريدية الحروفية والتعبيرية الرمزية

بواسطة azzaman

بشير يحمل عدة برتقالات ناضجة بيد واحدة

فنان يتنقّل بين التجريدية الحروفية والتعبيرية الرمزية

 

بغداد – علي الدليمي

كيف تكتب عن فنان لا يرضى أن يُحبَس في إطار واحد؟ أتكتب عنه بصفته خطاطا، يرسم الحرف وفق هيبة قواعد الخط العربي الرصين، نقطة بنقطة، وسكوناً بوقار؟

أم تصفه «فناناً حروفياً»، يشق الحرف من سلطة القاعدة، ويشكله في فضاء اللوحة التشكيلية حتى يغدو كتلة ولوناً وإيقاعاً؟

أم تفتح الباب على تأثره بمعمارية اللوحة العراقية، وتحديداً بتجربة الفنان ضياء العزاوي التي تركت ظلها على بعض أعماله؟

أم تقدمه ببساطة: فناناً تشكيلياً مجرباً، يبحث ويعيد البحث في كل قماشة يلمسها؟

الحيرة هنا ليست ضعف قلم، بل دليل غنى. نعم، إنه الفنان السوري بشير بشير. فنان لا يرى تعدد التجارب والأساليب ترفاً أو تشتاً، بل يراها ثمرة لرؤية بصرية وفكرية واحدة، ناضجة ومتماسكة. كأنه يحمل «عدة برتقالات ناضجة بيد واحدة»، فلا يسقط منه شيء، ولا يتناقض شيء مع شيء. الحرف عنده لا يخون اللون، واللون لا يخون الفكرة، والفكرة لا تخون الجذر.

يشكل النتاج الفني للفنان السوري بشير بشير تجربة بصرية غنية ومحطة هامة في محاولات المزاوجة بين الموروث الثقافي البصري (كالحرف العربي والمفردات الفلكلورية) وبين الحداثة التشكيلية بأساليبها المتنوعة كالتعبيرية، التجريدية، والـ «كولاج» البصري. وتكشف المعاينة الأكاديمية لتجربته الفنية عن مرونة أدائية عالية وقدرة على الانتقال بين مستويات متعددة من صياغة السطح التصويري.

لا يتعامل الفنان مع الحرف العربي كقيمة تزيينية أو هندسية كلاسيكية، بل يعید صياغته كعنصر تكويني حر، يذوب في فضاء اللوحة أو يتسيدها كحركة تعبيرية قائمة بذاتها:

*التجريد الحروفي الصرف: يتضح هذا المنحى جلياً في عدد من لوحاته، حيث يبرز حرف العين (أو الياء المعقوفة) كبؤرة بصرية مركزية مرسومة بضربة فرشاة عريضة ومتحررة باللون الأسود والأزرق، مستندة إلى خلفية غنية بالملامس الخشنة والتأثيرات اللونية هذا الأسلوب يذكرنا بالمدرسة التجريدية التعبيرية التي تعتمد على طاقة الخط التلقائية.

*البناء الهندسي وتداخل الأسطح: في مجموعة من أعماله حيث ينتقل الفنان إلى بناء تعبيري تجريدي مسطح، حيث يتداخل الحرف مع الأشكال الهندسية والمساحات اللونية الصريحة (كالأحمر والأزرق والأصفر). في نلاحظ توظيف تقنيات تشبه الكولاج أو «المونتاج البصري»، حيث تُقسّم اللوحة إلى حقول رأسية وأفقية متقاطعة، تزدحم بكتل حُرّة مشحونة بروح الخط العربي غير المقروء (الحرف كقيمة تشكيلية خالصة وليس كأداة لغوية).

في مسار مواز للتجريد، يحضر الإنسان والحيوان (الفرس) في أعمال بشير محملين بمسحة تعبيرية تقترب من عوالم الأسطورة والحكاية الشعبية، مع الحفاظ على الهوية الحروفية كمناخ عام: حضور المرأة والرمز: يظهر في أعماله صياغة تعبيرية لوجه امرأة، مستوحاة من الفن الأيقوني والرسوم الجدارية القديمة، لكنها مغموسة في بحر من الحروف الذهبية والمتداخلة التي تشكل ثوبها وخلفيتها. الخط القوسي الذي يمر فوق الوجه يمنح التكوين بعداً روحياً غامضاً.

*الفارس والفرس (الفلكلور المعاصر): في مجموعة أخرى من لوحاته يتناول بشير ثيمة «الفارس» أو «الحصان»، وهي ثيمة أصيلة في الفن العربي والشرقي.

توزيع الحروف

نرى تكويناً يعتمد على التبسيط البدائي المحبب في رسم الفارس والطيور المحيطة به، مع توزيع الحروف (مثل النون، الصاد، القاف) كعناصر تسبح في الفضاء السماوي الأزرق.

وفي عمل أخر يصبح جسد الحصان نفسه مساحة لتجريب الملامس اللونية وتداخل الخطوط، حيث يتكامل إيقاع حركة الخيل مع حركية الحروف المتناثرة في الخلفية المقسمة إلى أحزمة لونية أفقية (أخضر، أزرق، أصفر)، مما يمنح اللوحة إيقاعاً موسيقياً.

في عمل يمثل تحولاً أسلوبياً لافتاً نحو «تجريد المشهد الطبيعي».

 هنا يتخلى الفنان عن الملامس الخشنة والازدحام الحروفي لصالح مساحات لُونية مسطحة وصريحة محددة بخطوط لينة.. المشهد يوحي ببيئة جبلية أو قروية يعاد صياغتها باختزال تعبيري يقترب من أسلوب المدرسة الوحشية والتكعيبية المبسطة، حيث تتحول التلال والأشجار إلى بقع لونية نقية (أزرق، أحمر، أخضر، أصفر)، مع إشارات حروفية طفيفة تندمج في نسيج الطبيعة ذاتها.

*التنوع اللوني والهارموني: يمتلك الفنان جرأة واضحة في استخدام الألوان الحارة والباردة جنباً إلى جنب (الوردي الصريح، الأخضر العشبي، الأزرق النيلي).

*تعدد المستويات البصرية: تعتمد اللوحة لديه على نظام الطبقات، حيث يبدأ بخلفيات غنية بالتأسيس، ثم يضيف طبقات من الأحرف والخطوط، تليها أحياناً الأشكال المشخصة، مما يخلق عمــــــــــقاً بصرياً يجعل عين المتلقي تتجول داخل اللوحة لاكتشاف تفاصيل مخبوءة.

إن مجمل أعمال الفنان بشير تعكس تجربة فنان لا يستقر على قالب أسلوبي واحد، بل يجد تجدده في «التنقل الواعي» بين التجريدية الحروفية، والتعبيرية الرمزية، وتجريد الطبيعة. اللوحة عنده هي فضاء للمغامرة التقنية، حيث يظل الحرف العربي هو الخيط السري والنواة الروحية التي تربط كل هذه الأساليب المتنوعة، محولاً إياه من مجرد خط مكتوب إلى كائن تشكيلي حي يتنفس اللون والحركة.

 

 


مشاهدات 75
أضيف 2026/07/09 - 12:26 AM
آخر تحديث 2026/07/09 - 3:22 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 191 الشهر 8825 الكلي 15913952
الوقت الآن
الخميس 2026/7/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير