الحقيقة فوق الخلافات
ثامر محمود مراد
حين تصبح الأرقام أكبر من الخيال، لا يعود السؤال: كم سُرق؟ بل ماذا يُراد لهذا الوطن أن يكون؟
هناك لحظات لا يكون فيها الخبر مجرد عنوان عابر، بل جرس إنذار يقرع أبواب الضمير قبل أن يقرع آذان الناس. فحين تتحدث الروايات عن كميات هائلة من الأموال خرجت من دورة الاقتصاد، فإن القضية لا تقف عند حدود الفساد، بل تمتد إلى مستقبل وطن بأكمله، وإلى قدرة الدولة على حماية قوت أبنائها واستقرار عملتها.
إن المال حين يُحبس بعيداً عن المصارف، أو يُدار خارج المنظومة الاقتصادية، يفقد دوره الطبيعي في بناء الأسواق وتحريك عجلة التنمية. وعندها لا تتضرر الخزينة وحدها، بل يتضرر الموظف الذي ينتظر راتبه، والتاجر الذي يبحث عن الاستقرار، والمواطن الذي يخشى أن يستيقظ على أسعار جديدة لا تشبه الأمس.
ولعل أخطر ما في المشهد ليس حجم الأموال المخبأة، إن صحت تلك الادعاءات، وإنما احتمال وجود منظومة تعمل بصمت، تتغذى على الفوضى، وتقتات على ضعف الرقابة، وتجد في كل أزمة فرصة لتوسيع نفوذها. فالأوطان لا تنهار دائماً بصوت المدافع، بل قد تنهار بصمت الأرقام، وببطء القرارات المؤجلة، وباستسلام المؤسسات أمام شبكات المصالح.
إن الاقتصاد ليس أوراقاً نقدية فحسب، بل هو ثقة. والثقة إذا تصدعت، اهتزت الأسواق، وارتبك المستثمر، وقلق المواطن، وأصبح المستقبل رهينة الشائعات أكثر من الحقائق.
ولهذا فإن أي معلومات تُثار حول ملفات بهذا الحجم تستحق تحقيقاً مهنياً مستقلاً وشفافاً، يكشف الحقيقة للرأي العام، ويحاسب من تثبت مسؤوليته وفق القانون، بعيداً عن المزايدات السياسية أو الاتهامات غير المدعومة بالأدلة. فالدول تُبنى بالمؤسسات، لا بالظنون، وبالقضاء العادل، لا بضجيج المنابر.
أما الإصلاح الاقتصادي، فهو منظومة متكاملة تبدأ بتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي، ومكافحة غسل الأموال، وتفعيل الرقابة، وملاحقة الأموال غير المشروعة، وتطوير التشريعات بما يحفظ قيمة العملة ويصون الاقتصاد الوطني، مع دراسة أي تغييرات نقدية بعناية من قبل الجهات المختصة لما لها من آثار واسعة.
ويبقى العراق أكبر من كل المؤامرات، وأغلى من كل الأموال، وأسمى من أن يُختزل في أرقامٍ تتقاذفها التصريحات. فالأوطان لا يحميها الصمت، ولا تنقذها الشعارات، وإنما يحميها صدق المسؤول، ويقظة القضاء، ووعي المواطن، وإرادة لا تسمح بأن يتحول مستقبل البلاد إلى سلعة في سوق المصالح.
حفظ الله العراق، وألهم أبناءه أن يجعلوا الحقيقة فوق الخلاف، والقانون فوق الجميع، ومصلحة الوطن قبل كل اعتبار.