الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الحقيقة بين القيد والإطلاق.. رحلة الإنسان من معرفة الأشياء إلى إدراك المعنى


الحقيقة بين القيد والإطلاق.. رحلة الإنسان من معرفة الأشياء إلى إدراك المعنى

 حيدر عبد الرحمن الربيعي

 

منذ أن بدأ الإنسان رحلة الوعي، وهو يحمل في داخله سؤالاً لا ينتهي: ما الحقيقة؟

فالحقيقة كانت ولا تزال واحدة من أعظم الأسئلة التي شغلت العقل البشري. بحث عنها الفيلسوف في التأمل، والعالم في المختبر، والشاعر في الجمال، والمؤمن في رحلته الروحية. ومع ذلك بقيت الحقيقة أكبر من أن تُختزل في رأي واحد، أو تُحصر في حدود معرفة محددة.

وقد ورد في الأثر: "إن الحقيقة أعيت طالبها."

وهذه العبارة لا تعني أن الحقيقة مستحيلة، بل تعني أنها أوسع من قدرة الإنسان المحدودة على الإحاطة بها؛ لأن الإنسان مهما بلغ من المعرفة يبقى في مواجهة وجود واسع مليء بالأسرار، بينما الحقيقة المطلقة مرتبطة بالمطلق، بالله سبحانه وتعالى.

وفي رؤيتي الشخصية، فإن الحقيقة هي: انكشاف المعنى كما هو، في حدود الشيء حين تكون مقيدة، وفي امتداده نحو المطلق حين تكون مطلقة؛ فهي معرفة الوجود كما يظهر لنا، وسعي الروح والعقل إلى إدراك الحكمة الكامنة وراءه.

ومن هنا فإن الحقيقة ليست مجرد معلومة نصل إليها ثم نتوقف، بل هي رحلة تبدأ من المعرفة وتنتهي إلى الحكمة. إنها انتقال من رؤية الأشياء كما تبدو إلى محاولة فهم المعنى الذي يقف خلف وجودها.

وقد أشار القرآن الكريم إلى حدود المعرفة الإنسانية بقوله تعالى:

﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

فهذا التذكير الإلهي لا يقلل من قيمة العلم، بل يجعل الإنسان أكثر تواضعاً أمام اتساع المعرفة. فكلما عرف الإنسان أكثر، أدرك أن أمامه مجالات أوسع للتأمل والبحث.

وقد عبّر الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام عن هذا المعنى دوما بقوله تعالى:

"فوق كل ذي علم عليم."

فالمعرفة ليست محطة أخيرة، بل درجات يرتقي الإنسان فيها، وكل درجة تكشف له آفاقاً جديدة.

ومن خلال تأملي في معنى الحقيقة، أرى أنها تنقسم إلى مستويين: حقيقة مقيدة، وحقيقة مطلقة.

أما الحقيقة المقيدة فهي حقيقة الأشياء في حدودها وماهيتها. فالماء ماء، والشجرة شجرة، والحيوان حيوان، والإنسان إنسان. لكل شيء خصائصه وصفاته التي تمنحه هويته ومعناه المباشر. وهذه هي الحقائق التي تقوم عليها العلوم والتجارب الإنسانية.

لكن الإنسان لا يكتفي بمعرفة الأشياء، لأنه يحمل في داخله أسئلة تتجاوز الظاهر:

ما المعنى الكامن وراء الوجود؟

ما الحكمة من الحياة والموت؟

لماذا يبحث الإنسان دائماً عن الحقيقة؟

وهنا يبدأ الانتقال إلى الحقيقة المطلقة.

الحقيقة المطلقة، في فهمي، ليست حقيقة جزئية نصل إليها ثم نغلق باب البحث، بل هي فضاء مفتوح مرتبط بالمطلق، بالله سبحانه وتعالى. ولهذا فإن الإنسان لا يمتلك الحقيقة المطلقة، وإنما يسير نحوها.

وقد لخّص سقراط هذا المعنى بقوله المشهور:

"كل ما أعرفه أنني لا أعرف شيئاً."

لم يكن ذلك إعلاناً عن الجهل، بل كان اعترافاً بحدود المعرفة الإنسانية، لأن أول طريق الحكمة هو أن يدرك الإنسان مساحة ما يجهله.

وهذا المعنى نجده أيضاً في فلسفة أفلاطون، في حديثه عن انتقال الإنسان من عالم الظلال إلى رؤية الحقيقة؛ فالإنسان قد يعيش أسيراً لما تراه حواسه، لكنه حين يرتقي في المعرفة يبدأ في البحث عن الأصل والمعنى.

إن كل حقيقة يصل إليها الإنسان ليست نهاية الطريق، بل مفتاحاً لمرتبة أعلى من الفهم. فالعلم نفسه يؤكد هذه الحقيقة؛ إذ إن كل اكتشاف جديد لا يغلق أبواب الأسئلة، بل يفتح أبواباً أخرى.

ولهذا قيل: إن الحقيقة أعيت طالبها.

لقد أعيت من أراد امتلاكها كاملة، لكنها لم تُعْيِ من أراد السير نحوها. فالباحث الصادق لا يقول: لقد وصلت، بل يقول: لقد فُتح لي باب جديد.

ومن هنا فإن المشكلة ليست في البحث عن الحقيقة، وإنما في أن يتحول الفهم الجزئي إلى اعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة. فحين يظن الإنسان أن ما وصل إليه هو النهاية، يفقد القدرة على التعلم والحوار.

أما الإنسان الذي يدرك أن الحقيقة أوسع من إدراكه، فإنه يصبح أكثر تواضعاً وأكثر قرباً من الحكمة.

إن الحقيقة المقيدة تعلمنا ما هي الأشياء، أما الحقيقة المطلقة فتدعونا إلى معرفة معاني الأشياء.

الأولى تمنحنا المعرفة، والثانية تمنحنا الحكمة.

وفي النهاية، لا أرى أن غاية الإنسان هي امتلاك الحقيقة المطلقة، لأن المطلق لله وحده، وإنما غايته أن يسير نحوها بصدق، وأن يجعل من المعرفة طريقاً للارتقاء والرحمة والإنسانية.

فكلما اقترب الإنسان من الحقيقة، ازداد تواضعاً.

وكلما ازداد علماً، أدرك جمال المجهول.

وهنا تكمن روعة الرحلة الإنسانية: أن البحث عن الحقيقة لا ينتهي بالوصول إلى جواب، بل يتحول إلى أسلوب حياة يجعل الإنسان أكثر وعياً، وأكثر قرباً من المعنى.


مشاهدات 46
الكاتب  حيدر عبد الرحمن الربيعي
أضيف 2026/06/24 - 3:32 PM
آخر تحديث 2026/06/25 - 2:04 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 125 الشهر 23833 الكلي 15899314
الوقت الآن
الخميس 2026/6/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير