ليلى والذئب.. من حكاية طفولة إلى محاكمة الحقيقة
صلاح العذاري
حين كنا صغاراً، لم تكن الحكايات تُروى لنا لنفكر فيها، بل لنصدقها. كانت تُقدَّم كحقائق مكتملة، ذات بداية واضحة ونهاية مريحة، تُرضي شعورنا بالعدالة أكثر مما تُرضي عقولنا بالمنطق. ومن بين تلك الحكايات، بقيت قصة ليلى والذئب واحدة من أكثر الروايات رسوخاً في الذاكرة.
تخرج ليلى من بيتها، تحمل سلة الحلوى، توصّيها أمها بألا تنحرف عن الطريق وألا تتحدث مع الغرباء. تدخل الغابة، تلتقي الذئب، يدور بينهما حديث، يسبقها إلى بيت الجدة، يحتال عليها، يتمدد في فراش الجدة، ثم تنتهي القصة بصرخة، وصيادٍ يتدخل، وذئبٍ يُقتل، وليلى تُنقذ.
تحذير صريح
هكذا قيلت لنا القصة… وهكذا انتهت.
لكن، ماذا لو لم نتعامل معها كحكاية، بل كواقعة تستحق التحقيق؟
لماذا خرجت ليلى وحدها رغم التحذير الصريح؟
هل كانت مجرد طفلة ساذجة، أم أنها اختارت أن تتجاهل الخطر؟
كيف تحوّل اللقاء مع “الذئب” من تهديد إلى حديثٍ واطمئنان؟
كم استغرق ذلك اللقاء؟ ولماذا لم تهرب منذ اللحظة الأولى؟
كيف عرف الذئب طريق الجدة؟ ومن الذي قدّم له هذه المعلومة؟
هل كان مجرد ذكاء من الذئب… أم أن هناك دليلاً قاده إليه؟
ولماذا لم يظهر الخوف إلا متأخراً، بعد أن أصبحت الأمور خارج السيطرة؟
هل كانت ليلى طوال الوقت ضحية… أم شريكاً في صناعة اللحظة التي انتهت بكارثة؟
أسئلة بسيطة، لكنها كفيلة بأن تُسقط الصورة الجاهزة.
لأن القصة، حين تُفكك، لا تعود كما كانت.
تتعرّى من براءتها المطلقة، ويبدأ الشك بالتسلل إلى تفاصيلها.
نكتشف أن ما قُدّم لنا كحقيقة، ربما لم يكن سوى رواية أعيد ترتيبها.
رواية تبدأ من النهاية لا من البداية.
من لحظة الخطر، لا من لحظة الاختيار.
من الصرخة، لا من الصمت الذي سبقها.
وهنا، تتغير الأدوار.
ليلى لم تعد فقط ضحية، بل طرفاً في سلسلة من القرارات.
والذئب لم يعد الشر المطلق، بل جزءاً من مشهد لم نرَ منه إلا زاوية واحدة.
لكن الأخطر من كل ذلك، ليس ما حدث… بل كيف رُوي.
طرف واحد
لقد قُدّمت لنا القصة من طرف واحد، بصوت واحد، وبصياغة واحدة.
لم نسمع الذئب، لم نعرف ما جرى فعلاً، لم نطّلع على التفاصيل الكاملة.
كل ما لدينا هو رواية ليلى… ونحن صدقناها دون محاكمة.
وهنا، نخرج من الغابة… إلى الواقع.
كم من قصة تُروى اليوم بنفس الطريقة؟
كم من طرف يكتب الحكاية وحده، ثم يطلب من الجميع تصديقها كحقيقة نهائية؟
كم من إنسان، بعد أن يكون جزءاً من الخطأ أو التواطؤ أو الصمت، يعيد تقديم نفسه كضحية مطلقة؟
في العلاقات الإنسانية، تتكرر هذه الظاهرة بوضوح مؤلم.
حين تنهار علاقة، لا تُروى القصة كما كانت، بل كما يريد أحد الأطراف أن يراها الآخرون.
تُحذف التفاصيل المربكة، تُخفى لحظات الضعف، ويُعاد تشكيل السرد بحيث يظهر طرف واحد نقيّاً بالكامل، وطرف آخر مداناً بالكامل.
وفي بعض الحالات، يتحول هذا السرد إلى رواية أحادية هجومية:
اتهامات عالية، لغة مشحونة، وصورة تُرسم بعناية للطرف الآخر على أنه “الذئب” الذي لا يُناقش ولا يُسمع.
لكن الحقيقة، في أغلب الأحيان، ليست بهذه البساطة.
الخيانة — حين تحدث — لا تكون دائماً حدثاً منفصلاً عن السياق، بل نتيجة شبكة معقدة من الاختيارات، والصمت، والتجاهل، والرغبات، والتبريرات.
ومع ذلك، يُعاد تقديمها أحياناً وكأنها خطيئة طرف واحد فقط، بينما يُمحى دور الطرف الآخر تماماً من المشهد.
وهنا يظهر التشابه الصادم مع قصة ليلى:
الاقتراب يُنسى،
الاختيار يُخفى،
التواطؤ يُمحى،
ثم تبدأ الصرخة.
صرخة تُطالب بالإنقاذ… لا بالحقيقة.
وفي هذا النوع من السرد، لا يكون الهدف فهم ما حدث، بل الهروب من مسؤوليته.
تتحول القصة إلى درع، لا إلى شهادة.
وإلى وسيلة لتجميل الصورة، لا لكشف الواقع.
الأخطر من ذلك، هو الجمهور.
الجمهور الذي لا يسأل.
الذي يكتفي بسماع الرواية الأولى، ويتبناها، ويدافع عنها، ويهاجم بناءً عليها.
جمهور يُحب القصة السهلة: ضحية واضحة، وجلاد واضح.
لكن الحقيقة لا تُبنى بهذه الطريقة.
الحقيقة تحتاج إلى تعدد الأصوات.
إلى سماع ما لم يُقل، لا فقط ما قيل.
إلى الشك، لا إلى التسليم.
أما حين تعمى الضمائر، فإن الرواية الأحادية لا تكتفي بالانتشار… بل تتحول إلى حكم.
حكم قد يُدين بريئاً، ويُبرئ مخطئاً، فقط لأن أحدهم كان أسرع في الكلام، وأبرع في السرد.
ليلى لم تكن المشكلة الحقيقية…
بل كانت مجرد مثال مبكر.
المشكلة أننا تعلمنا، منذ الطفولة، أن نصدق القصة من طرف واحد.
أن نكتفي بالصوت الأعلى، لا بالحقيقة الأعمق.
ولهذا، ما زلنا حتى اليوم…
نقتل “الذئب” في كل قصة،
دون أن نتأكد…
من الذي كتب الحكاية.