الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حينما يُفضفض القاضي عن هواجسه.. إنعاش فضول الباحث عن الحقيقة

بواسطة azzaman

حينما يُفضفض القاضي عن هواجسه.. إنعاش فضول الباحث عن الحقيقة

أمير علي الحسون

 

ماذا بعدما قرأتُ مقالة (لستُ ظالماً) للقاضي إياد محسن ضمد.

في المجتمعات التي تحترم العدالة، يبقى القاضي شخصية مهيبة، يقترب منها الناس بحذر، وينظرون إليها بوصفها آخر أبواب الإنصاف، وأكثرها صمتاً وغموضاً.

جانب انساني

لكنّ ذلك الصمت الطويل، الذي فرضته حساسية المهنة وثقل المسؤولية، جعل الناس يجهلون الجانب الإنساني للقاضي؛ هواجسه، قلقه، صراعه الداخلي، وحتى خوفه من أن يظلم إنساناً بكلمة أو يبرّئ فاسداً بثغرة قانونية.

وحينما يخرج القاضي عن صمته، لا ليبرر، بل ليُفضفض بصدق عن مشاعره وتفاصيل عمله، فإنه لا يثير اهتمام العامة فقط، بل يوقظ فضول الباحثين عن حقيقة هذه المهنة الثقيلة، تلك التي تفصل بين البراءة والإدانة، وبين دموع المظلوم ومحاولات المجرم للإفلات.

في المقالة الأخيرة التي حملت كثيراً من الشفافية والمصارحة، بدا القاضي إنساناً قبل أن يكون منصة حكم. إنساناً يعيش ارتباك الضمير المهني، ويحاول أن يُوازن بين العاطفة والنص القانوني، بين ما يشعر به وما تفرضه الأدلة والإجراءات.

وهنا تكمن عظمة القضاء الحقيقي؛ أن يكون القاضي عادلاً حتى على حساب مشاعره الشخصية.

ولعلّ ما يجعل الحديث عن القضاء في العراق أكثر حساسية وأهمية، أن المجتمع العراقي، بل والدولة العراقية نفسها، تستند على جدارين صلبين شكّلا على مدى السنوات الماضية صمام أمان لبقاء الدولة الجديدة واستقرارها؛ هما المرجعية الرشيدة والبيت القضائي العراقي.

فلولا حكمة المرجعية، وهيبة القضاء، لكانت الدولة أكثر عرضة للانهيار وسط العواصف السياسية والأمنية والاجتماعية التي مرّت بها البلاد.

لكن الحفاظ على الدولة لا يعني الصمت عن أخطائها، بل يتطلب إصلاح المسارات التي أضعفت ثقة المواطن بمؤسساتها، وفي مقدمتها المحاصصة والطائفية والفساد، مع ضرورة تغليب عنوان المواطنة بوصفه الهوية الأسمى في إدارة الدولة، بعيداً عن الانقسامات والولاءات الضيقة.

حياة طبيعية

لطالما شعر الناس أن القضاة يعيشون خلف جدران مغلقة، وأن حياتهم أقرب إلى العزلة منها إلى الحياة الطبيعية، تفادياً للإحراج، وابتعاداً عن التأثيرات والعلاقات والمجاملات. لذلك فإن كشف جزء من هواجسهم وأفكارهم للرأي العام، يمنح المجتمع فهماً أعمق لمعنى العدالة، ويُقرّب الناس من المؤسسة القضائية بدل أن تبقى مجرد سلطة صامتة يخشاها الجميع.

واللافت والمُطمئن في العراق اليوم، أن كبار القادة في البيت القضائي العراقي المحترم، بدأوا يقتربون أكثر من الرأي العام بخطاب متزن وشفاف، بدءاً من السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان، الذي تواصل بحضوره الإعلامي الرصين وهو مراقباً وخصماً لكل من يخالف الدستور والأنظمة، وصولاً إلى القاضي أياد محسن ضمد، الذي التقيته شخصياً أكثر من مرة، فوجدت فيه هدوء القاضي وقلق الإنسان، وكذلك القاضي ضياء جعفر الذي عُرف بشجاعته وصراحته المهنية.

إن ظهور هذه الشخصيات عبر مقالات رصينة أو حوارات إعلامية مسؤولة، لا ينتقص من هيبة القضاء كما يظن البعض، بل يعزز ثقة المجتمع به، ويكشف أن خلف الرداء الأسود قلوباً تحمل همّ العدالة بصدق، وتخوض معركة يومية مع ملفات معقدة، وشبكات فساد منظمة، ومجرمين يعرفون كيف يُخفون آثارهم تحت غطاء الإجراءات والقوانين.

وأنا شخصياً أؤمن بأن نجاح القضاء لا يُقاس فقط بعدد الأحكام، بل بقدرته على ملاحقة الجريمة والفساد المنظم، ذلك الفساد الذي تعلّم كيف يبني لنفسه سككاً قانونية ظاهرها الالتزام وباطنها التحايل.

ولهذا قد ينجح الفاسد أحياناً في تضليل التحقيق أو إرباك العدالة، لأن القضاء في النهاية لا يحكم بالانطباعات، بل بالأدلة والخطوات القانونية التي تضبط مساره وتحميه من الانفعال والانتقام.

هذه الحقيقة التي عبّر عنها القاضي بوضوح، تجعلنا نفهم حجم المسؤولية التي يحملها القضاء، وحجم المعركة الصامتة التي يخوضها القاضي بين ضميره والنصوص، وبين الرغبة في إنصاف المجتمع والالتزام الصارم بالقانون.

شكراً لكل قاضٍ اختار أن يكشف شيئاً من هواجسه للناس، لأن القاضي حين يتحدث بصدق، لا يُضعف هيبة العدالة، بل يمنحها وجهاً إنسانياً أكثر قرباً وطمأنينة.

 


مشاهدات 54
الكاتب أمير علي الحسون
أضيف 2026/05/24 - 11:52 PM
آخر تحديث 2026/05/25 - 12:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 168 الشهر 24103 الكلي 15869297
الوقت الآن
الإثنين 2026/5/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير