الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
يا صنّاع القرار أنصفوا المعلم

بواسطة azzaman

يا صنّاع القرار أنصفوا المعلم

هند الحافظ

 

في كل مجتمع يُراد له أن ينهض، يقف المعلم في نقطة البداية. فهو ليس موظفًا عاديًا، بل صانع الإنسان، ومهندس الوعي، وأول من يرسم ملامح الشخصية في عقول الأجيال. ومن المفترض أن تحظى هذه المهنة بمكانة تليق بعظمة رسالتها، إلا أن الواقع  يكشف عن تراجعٍ مؤلم في قيمة المعلم وهيبته، بدأ من داخل المؤسسة التربوية نفسها.

فالمؤسسة التي يُفترض أن تكون الحاضنة الأولى له، والفضاء الذي يمنحه القوة والهيبة لأداء رسالته في بناء الإنسان، تبدو في كثير من الأحيان بصورة مغايرة؛ إذ يتحول هذا الفضاء من سندٍ مهني إلى منظومة إدارية تُثقل كاهله وتحدّ من حضوره التربوي بدل أن تعززه.

يواجه المعلم العراقي اليوم نمطًا إداريًا يبالغ في التوجيه والتدخل والتقويم المستمر، ويُصدر تعليمات لا تراعي طبيعة الرسالة التربوية ولاخصوصية من يحملها. وبدل أن يُنظر إليه بوصفه ركيزة العملية التعليمية، يُختزل أحيانًا في منفذٍ للأوامر والتعليمات، وتُقاس كفاءته بمدى التزامه بالإجراءات الشكلية أكثر من جوهر ما يقدمه داخل الصف.

كما تتراكم عليه واجبات وتكليفات لا ترتبط في كثير من الأحيان بجوهر التعليم نفسه ،بقدر ارتباطها بالتفاصيل الإدارية، حتى يبدو وكأنه مطالب بإرضاء سلسلة طويلة من المتطلبات قبل أن يُمنح فرصة أداء رسالته الحقيقية.

إن أخطر ما في هذا الأسلوب الإداري ليس كثرة التعليمات بحد ذاتها، بل الرسالة الضمنية التي ينقلها؛ رسالة مفادها أن المعلم ليس محور العملية التربوية، بل طرفٌ يخضع باستمرار للمراقبة والتوجيه والنقد. ومن هنا تبدأ هيبتهُ بالتآكل من الداخل، قبل أن تمتد آثار ذلك إلى المجتمع بأكمله.

فالطالب الذي يرى معلمه محاطًا بالقيود والتوجيهات المستمرة، أو يتعرض للتقليل من شأنه داخل المؤسسة، لن يتعلم احترام العلم كما ينبغي. وحين تهتز صورة المعلم في الأذهان، تهتز معها صورة المدرسة، وتتراجع قيمة المعرفة نفسها.

فهو لا يدرّس المناهج فحسب، بل يجسد أمام طلابه معنى الاحترام والانضباط والالتزام، لذلك فإن المساس بهيبته لا يسيء إلى شخصه وحده، بل يمس الرسالة التربوية التي يحملها.

والمؤسسة التي تحترم  كوادرها  تزرع هذا الاحترام في نفوس طلابها، والمجتمع الذي يصون كرامة معلميه إنما يصون قيمة العلم نفسها.

أما الاستمرار في إضعاف هذه المكانة، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من التراجع في هيبة التعليم وفقدان الثقة بأحد أهم أعمدة بناء المجتمع.

وإذا أردنا أجيـــــالا تؤمن بالثقافة  وتحترم العلم ، فعلينا أولًا أن نعيد إلى صانعها ما يستحقه من هيبة وكرامة وتقدير .                      

 

 

 

 


مشاهدات 38
الكاتب هند الحافظ
أضيف 2026/07/09 - 2:16 AM
آخر تحديث 2026/07/09 - 3:40 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 195 الشهر 8829 الكلي 15913956
الوقت الآن
الخميس 2026/7/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير