الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جُنُونُ الهَيُولَى

بواسطة azzaman

جُنُونُ الهَيُولَى

" "•

.....

​مُنْذُ القَدِيمْ ..

فِي العُصُورِ الغَابِرَاتِ مَآرِبٌ،

غَابٌ، وَمِحْرَابٌ، وَآلِهَةٌ يُقَدِّسُهَا الأَنَامْ

كَانَتْ لَنَا الأَزْلَامُ مَأْوَى،

لَا مَلَاذَ سِوَى  الطِّينُ الـمُؤَلَّهُ

فِي الحَجِيجِ بِكُلِّ عَامْ

مَتَى تَدُكُّ مَزَاغِلَ الأَوْهَامْ؟

لَا "لَاتَ" فِي الـمِحْرَابِ قَامْ ..

"عُزَّى" لَهَا ظِلٌّ إِذَا سَقَطَ اللِّثَامْ

​أَيْنَ الذَّوَاتُ؟ يُقَدِّسُونَ الآيَ وَالحَجَرَ الكَرِيمْ

مِنْ دُونِ نَذْرٍ قَادِمٍ فِي مَذْبَحِ الكَشْفِ العَظِيمْ

أَيْنَ الإِلَهُ.. بِأُورُشَلِيمْ؟

مَا ثَمَّ إِلَّا صُورَةٌ مَعْكُوسَةٌ

فِي عَيْنِ مَنْ وَجَعَ البُكَاءِ قَدْ رَأَى..

خَلَقَ الإِلَهَ مِنَ السَّدِيمْ

لِكَيْ يَقُولْ:

أَنَا لَسْتُ مَتْرُوكاً سُدَىً

فِي قَفْرِ هَذَا الكَوْنِ.. تَأْكُلُنِي الظنون!

فَبَنَى لِشَهْوَتِهِ مَقَاماً فِي الحصى، من أيّ طين

يَدْعُوهُ: يَا مَعْبُودُ.. خُذْنِي لِلْيَقِينْ!

......

​مِنْ نُطْفَةِ العَدَمِ الـمُقَدَّسِ لَمْ يَكُنْ

طِينٌ.. وَلَا سِفْرٌ خَفِيّْ

لَكِنَّ هَذَا الوَهْمَ شَعَّ وَمَا يَزَالُ طَوَافُنَا

حَوْلَ الـمَجَازِ السَّرْمَدِيّْ

صَنَعَ الرَّؤُومُ مِنَ الغُبَارِ إِلَهَهُ

لِيَقُولَ: يَا ظِلِّي الخَلِيقَ بِخَوْفِيَ الـمَكْنُونِ..

كُنْ سَنَدِي الشَّقِيّْ!

فَـ "الثَّوْرُ" لَيْسَ مُجَنَّحاً فِي سَقْفِ بَابِلَ،

إِنَّمَا.. هُوَ شَهْوَةُ الإِنْسَانِ

حِينَ أَرَادَ تَقْدِيسَ الحَجَرْ

لِيَفِرَّ مِنْ مَحْوِ القَدَرْ

وَلِكُلِّ نَفْسٍ "عُزَّيَاتٌ" فِي النهر

طُبِعَتْ عَلَى صُوَرِ البَشَرْ!

​فَالعَرْشُ مِرْآةٌ، وَكُلُّ سُلَالَةٍ

عَبَدَتْ مَلَامِحَهَا الـمُرَاقَةَ فِي الغِيَابْ

مَا ثَمَّ غَيْبٌ آخِرٌ يَتَبَدَّلُ..

إِلَّا إِذَا ذَابَ الحِجَابُ عَنِ الحِجَابْ

فَالرَّبُّ.. أَرْبَابٌ وَبَابْ

وَلَيْسَ فِي الشكّ هُنَاكَ سِوَى الكتابْ

هُوَ نُقْطَةُ البَاءِ الَّتِي انْفَجَرَتْ بِمُقْلَتِنَا..

وَنَحْنُ لَهَا الأَثَرْ!

فَاسْتَعْذَبَ الصَّلْصَالُ فِينَا حِيرَةَ الصَّمْتِ الأَشَرّْ

وَبِيَقْظَةٍ نَطَقَ الحَجَرْ:

يَا قَوْمِ.. لَاهُوتُ السَّمَاءِ هُوَ نَفْسُهُ نَاسُوتُنَا..

لَوْ لَمْ نُقَيِّدْهُ بِأَغْلَالِ الفِكَرْ!

​فِي حَلْقَةِ الذِّكْرِ الْتَقَى الأَضْدَادُ،

وَانْطَلَقَ الحُوَاةُ يُفَلْسِفُونَ..

وَفِي الـمَعَانِي يَنْحَرُونَ

الشِّعْرَ، وَالآيَاتِ، وَالغَزَلَ الـمُجُونْ

وَلَرُبَّمَا لَا تَسْتَحِي مِنْهُ العُيُونْ

فَيَسْكَبُونَ "المَحْوَ" فَوْقَ حَقَائِقِ الأَشْيَاءِ

هَلْ نَحْنُ الجُنُونْ؟

قَدْ كَانَ يَقْطِفُنَا الفَنَاءْ!

تِلْكَ السُّلَالَةُ (أَيُّهَا الـمَأْخُوذُ بِالرُّؤْيَا)

أَنَا الـمَذْبُوحُ فِيهَا، وَالـمُرِيقُ، وَكُلُّ أَبْنَاءِ الدِّمَاءْ

أَنَا سَادِنُ الوَقْتِ الَّذِي لَمْ يَبْقَ مِنْ أَرْوَاحِهِ

إِلَّا الـمَحَبَّةُ.. حِينَ تَشْطَحُ كَالسَّمَاءْ!

​مِنْ وَهْمِ صَلْصَالٍ تَجَلَّى الكَائِنُ،

وَتَلَفَّتَ الصُّوفِيُّ فِي مَلَكُوتِهِ

رَأَى العُرُوشَ كُلَّهَا..

صَنَماً يُعَادُ بِجُبَّةِ السُّلْطَانِ..

أَوْ بِعَمَائِمِ الكُهَّانْ!

فَالخَلْقُ يَذْبَحُ جَوْهَرَ الرُّوحِ الطَّلِيقَةِ

كَيْ يَلُوذَ بِهَيْكَلِ الطِّينِ الـمُعَادْ..

​.....

​هَذِي الـمَدَائِنُ كُلُّهَا أَوْثَانُنَا

نَحْنُ الَّذِينَ نَصُبُّ فِي الشَّمْعِ الدُّمُوعْ

وَنَقُولُ: تِلْكَ عَدَالَةٌ مِنَ السَّمَاءِ..

أَمَّا الـمَشِيئَةُ لَمْ تَكُنْ إِلَّا انْعِكَاسَ اللَّيْلِ

فِي الـمِرْآةِ..

قَدْ يَشْطَحُ الرَّاؤُونَ فِي سِرِّ الإِشَارَةِ..

يَلْتَقِي الـمَحْوُ بِإِثْبَاتِ الوُجُودْ!

​أَبْنَاءُ "عُزَّى" يَسْأَلُونَ:

مَا نَفْعُ مَنْ فِي غَيِّهِمْ لَا يَعْمَهُونَ؟

صَنَمُ التَّعَصُّبِ فِي الدِّمَاءْ

فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ أَرَى وَثَناً جَدِيداً

يَرْتَدِي ثَوْبَ القَدَاسَةِ،

يَقْطِفُ الأَعْمَارَ..

بِاسْمِ اللهِ.. بِاسْمِ الأَرْضِ.. بِاسْمِ النَّصْرِ..

تَنْتَسِبُ السُّلَالَةُ لِلْفَنَاءِ

وَيَظَلُّ صَوْتُ اللهِ مَخْنُوقاً

بِأَقْنِعَةِ الدُّعَاءْ!

​يَا طِينُنَا الـمَفْتُونُ بِالتَّأْلِيهِ..

مَتَى تَزُولُ عَنِ العُيُونِ غِشَاوَةُ الأَسْمَاءْ؟

لِتَرَى الوُجُودَ مُجَرَّداً..

لَا فِيهِ "عُزَّى" الظِلِّ.. لَا سَيْفَ الخِيَانَةِ.. لَا حُدُودْ..

كُلُّ التَّمَاثِيلِ الَّتِي صَنَعَتْ فَرَاعِنَةَ العُصُورْ

هِيَ خَوْفُنَا..

فَإِذَا فَنِينَا فِي الـمَحَبَّةِ..

صَارَ هَذَا الكَوْنُ مِحْرَاباً نَقِيّاً..

دُونَ أَصْنَامٍ..

وَلَا قَمَرٍ هَدَى الـمَوْتَى ضِيَاءً فِي النُّشُورْ!

.....

 

الهَيُولَى (عند القدماء) : مادةٌ ليس لها شكل ولا صورة معيّنة، قابلةٌ للتشكيل والتصوير في شتَّى الصور


مشاهدات 52
الكاتب عبد المنعم حمندي
أضيف 2026/07/07 - 3:35 PM
آخر تحديث 2026/07/08 - 1:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 120 الشهر 7611 الكلي 15912738
الوقت الآن
الأربعاء 2026/7/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير