من قصص الحرب
الثلج يا أبي
محمد إسماعيل
إزرقت أطراف ماجد، وغاضت عيناه في محجريهما، ولم يعد يرى هل أزف المساء؟ أم ما زال الوقت عصراً؛ فقد إظلم بياض الثلج حوله، وراح في غيبوبة باردة، حتى أيقظه صوت أبيه:
- إنهض
- بابا مو متت!؟
فتح عينيه ثواني ونام الى الأبد، موقظاً أباه:
- من أين لك هذه الخبرة في الطرقات الثلجية، على جبل كردمند؟
- من ثلوج 1948 في فلسطين.
عاد الى غفوته، نائماً الى أبد آخر.. غير الذي نامه منذ سطور في قصة (الثلج يا أبي).
صعد ماجد من صهد صيف البصرة الى قرس شتاء الشمال، يؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية بقسوة فظيعة، مدركاً أن عليه قبول البرد؛ فداء وطن لا يباليان... كلاهما لا يبالِ بالآخر، قادماً من بيئة حارة بإمتيازٍ مريع، الى أجواء جبلية شديدة الثلج...
جيء به من وراء عربة لبلبي، راسباً في إعدادية (خمسميل) أخرس.. ذو حنجرة شوهاء، إنتخبوه قدوة الصف؛ ناطقاً عن صوتهم؛ فصمتوا لصمته.. أجمعين، وسيق الى الخدمة العسكرية في ظروف غامضة... أقتيد من وراء شعلة (بريمز) تجعل اللبلبي فتيت في دقائق و... تفتت اللبلبي.. تفتته طهياً، الى برد الشمال.. ألقوه ليلاً في ثلوج كردمند.. غاص في الجليد و... إزرقت أطرافه، وغاضت عيناه في محجريهما، ولم يعد يرى هل شقشق الفجر على أنغام القبج المرفرف فوق أغصان المستحيل؟ أم ما زال الليل يرخي سدوله؛ فقد إظلم بياض الثلج حوله، وراح في غيبوبة باردة.