الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الإسترداد حق للدولة .. والعقوبة حق المجتمع

بواسطة azzaman

المال العام ليس قرضاً يُسدَّد بالتقسيط

الإسترداد حق للدولة .. والعقوبة حق المجتمع

فاضل الغراوي

 

لا يبدأ الفساد الكبير لحظة انتقال المال العام إلى حساب خاص، ولا ينتهي لحظة إعادته إلى خزينة الدولة. بين اللحظتين جريمة مكتملة الأركان، وضرر أصاب المجتمع، وثقة تزعزعت، وخدمات تعطلت، وحقوق حُرم منها مواطنون لم يكونوا طرفاً في الجريمة، لكنهم دفعوا ثمنها.

لهذا لا يجوز التعامل مع المال العام المنهوب بوصفه قرضاً بلا فائدة، يستعمله المعتدي سنوات، ثم يعيد أصله عندما تنكشف الجريمة وتضيق أمامه منافذ الهرب. فالمال العام ليس مالاً بلا مالك؛ مالكه هو المجتمع كله، والمساس به اعتداء على حق المريض في العلاج، والطالب في التعليم، والعاطل في فرصة العمل، والأسرة في الماء والكهرباء والسكن والطريق الآمن.

ردّ المال لا يمحو الجريمة

يميز القانون بين رد المال والعقوبة المقررة عن الجريمة. فرد المال يعيد إلى الدولة حقاً مالياً سُلب منها، أما العقوبة فتواجه الاعتداء الذي وقع على النظام العام والثقة بالوظيفة والمؤسسات.

عمليات تزوير

ومن يختلس مالاً عاماً لا تنحصر مسؤوليته في قيمة المبلغ الذي استولى عليه. هناك فعل جرمي استُخدمت فيه الوظيفة أو السلطة أو النفوذ، وقد ترافقه عمليات تزوير أو إخفاء أو غسل أموال أو اشتراك مع آخرين. وإعادة المبلغ بعد افتضاح الأمر لا تمحو هذه الأفعال ولا تزيل آثارها.

ولهذا يقوم البناء القانوني في جرائم الاعتداء على المال العام على الجمع بين العقوبة ورد الأموال أو المصادرة. فالرد أثر مالي، والعقوبة جزاء جنائي، ولكل منهما غايته المستقلة. ولا يصح أن توضع الدولة أمام خيارين: إما استرداد المال وإما العقاب؛ فالعدالة تقتضي الجمع بينهما.

الكفالة ليست براءة

يختلط في النقاش العام الإفراج بكفالة برد الأموال أو إسقاط التهمة. وهذه مفاهيم مختلفة. فالكفالة لا تعني البراءة، ولا تنهي المحاكمة، ولا تسقط المسؤولية الجزائية. إنها ضمان إجرائي يتعلق بحرية المتهم خلال التحقيق والمحاكمة، ما دام لم يصدر بحقه حكم بات.

وقد أجاز قانون أصول المحاكمات الجزائية للقاضي إطلاق سراح المتهم بتعهد مقرون بكفالة أو من دونها متى اطمأن إلى عدم هربه وعدم إضراره بسير التحقيق. لذلك فإن منع الكفالة بصورة مطلقة في جميع قضايا الفساد قد يصطدم بقرينة البراءة وبكون التوقيف إجراءً احترازياً، لا عقوبة تسبق الحكم.

المطلوب هو وضع معايير مشددة للإفراج في قضايا الفساد الكبرى، تراعي جسامة المبلغ، وخطر إخفاء الأموال، وإمكان التأثير في الشهود، والعبث بالأدلة، والهرب إلى الخارج. كما ينبغي أن يقترن الإفراج، عند الضرورة، بالحجز على الأموال والمنع من السفر وإبعاد المتهم عن الموقع الذي قد يسمح له بالتأثير في التحقيق.

حين يتحول السداد إلى بوابة للعفو

تظهر الإشكالية الأخطر عندما لا تبقى إعادة الأموال أثراً من آثار الحكم، وإنما تتحول إلى طريق لإنهاء الدعوى أو إسقاط العقوبة. وقد أتاح تعديل قانون العفو العام لسنة 2025 شمول بعض جرائم اختلاس وسرقة أموال الدولة وإهدار المال العام والفساد المالي والإداري عند تسديد الأموال كاملة بموجب تسوية مع الجهة المتضررة.

وهنا يبرز السؤال: هل يكفي أن يعيد المحكوم المال كي يغادر دائرة العقاب؟ إن الإجابة بالإيجاب تقلب فلسفة التجريم. فالموظف النزيه يعيش من راتبه ويحافظ على الأمانة، بينما يستطيع المعتدي أن يستولي على مبالغ طائلة ويستثمرها أو يخفيها، ثم يعيد أصلها إذا افتضح أمره. وبهذا يتحول الفساد إلى مخاطرة محسوبة: إن نجحت الجريمة احتفظ مرتكبها بالمال، وإن فشلت أعاده وطلب العفو.

كما تخلق هذه المعادلة تفاوتاً بين المتهمين؛ فصاحب الثروة والنفوذ يستطيع السداد والاستفادة من آثار العفو، بينما يبقى المتهم الأقل قدرة عاجزاً عنه. وهكذا تنتقل العدالة من مساءلة الفعل إلى قياس القدرة المالية لمرتكبه.

استرداد الأموال هدف أساسي في مكافحة الفساد، لكنه ينبغي أن يسير إلى جانب المحاكمة والعقاب، لا أن يحل محلهما. ويمكن للقانون أن يأخذ بتعاون المتهم عند تقدير العقوبة إذا كشف شبكة الفساد، أو أعاد أموالاً لم تكن السلطات تعرف بها، أو حال دون وقوع جرائم أخرى. لكن الفرق كبير بين تعاون مبكر يكشف الجريمة، وسداد اضطراري لا يحدث إلا بعد القبض على المتهم واكتمال الأدلة ضده.

العفو العام موضع المراجعة

استثنى الدستور العراقي جرائم الفساد المالي والإداري من العفو الخاص الذي يصدره رئيس الجمهورية بتوصية من رئيس مجلس الوزراء. أما العفو العام فيصدر بقانون من مجلس النواب، وهو المجال الذي يحتاج إلى مراجعة تشريعية واضحة تمنع تحويل رد المال إلى صك لمحو الجريمة. وتقتضي مواجهة الفساد الكبير إصلاحاً يقوم على فصل استرداد الأموال عن سقوط المسؤولية الجزائية، واستثناء الجرائم الجسيمة من العفو العام، وتشديد التدابير المالية عبر الحجز المبكر على الأصول وتتبعها ومصادرتها، وتسريع التقاضي من دون الإخلال بحقوق الدفاع. كما ينبغي ألا تختزل السياسة العقابية في زيادة سنوات السجن. ففاعلية العقوبة تقوم على حتمية الكشف، وسرعة المحاكمة، وتنفيذ الحكم، ورد الأموال، والمصادرة، والحرمان من الوظيفة العامة، والمنع من التعاقد مع الدولة أو تولي المناصب التي استُخدمت في ارتكاب الجريمة.

المال يعود… والحق العام يبقى

إن خزينة الدولة تستحق استرداد كل دينار سُلب منها، لكن المجتمع يستحق أيضاً أن يرى العدالة تُطبق. فالمال المستعاد يعالج جانباً من الضرر، أما العقوبة فتواجه الجريمة، وتحمي الثقة العامة، وتمنع تكرارها.

ومن يعيد المال بعد انكشاف أمره يكون قد أوفى بجزء من التزام فرضه القانون، ولم يقدم تبرعاً للدولة، ولم يمحُ الفعل الذي ارتكبه. الدولة التي تكتفي باستعادة الأموال تعامل الفساد كدين متعثر. أما الدولة التي تستعيد المال، وتحاكم الجاني، وتصادر العائدات، وتمنعه من العودة إلى الوظيفة والنفوذ، فإنها تؤسس لعدالة حقيقية. فالمال العام ليس قرضاً يُسدَّد بالتقسيط، واسترداده حق للدولة، أما العقوبة فهي حق للمجتمع لا يجوز أن يكون محلاً للمساومة.

  عضو مجلس الخدمة الاتحادية وناطقها الرسمي

 

 


مشاهدات 69
الكاتب فاضل الغراوي
أضيف 2026/07/06 - 4:04 PM
آخر تحديث 2026/07/07 - 2:20 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 136 الشهر 6500 الكلي 15911627
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير