الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
صناعة الفساد

بواسطة azzaman

صناعة الفساد

مرتضى كاظم الزيدي

 

ليس الفساد دائمًا وزيرًا يختلس المال العام، أو مسؤولًا يوقع عقدًا مشبوهًا، أو سياسيًا يبيع الوطن لمصالحه. تلك ليست سوى قمته، أما جذوره فغالبًا ما تنبت في أماكن أصغر، داخل تفاصيل حياتنا اليومية، حيث يعتاد المجتمع على ممارسات يراها بسيطة، لكنها في حقيقتها اللبنات الأولى لمنظومة فساد متكاملة.

حين يدفع مواطن رشوة لتسريع معاملة، أو يقبل موظف مبلغًا مقابل أداء واجبه، أو يتجاوز تاجر معايير الجودة طمعًا في ربح أكبر، أو يخدع بائع مشتريًا، أو يستغل موظف موقعه لخدمة قريب أو صديق، فإننا لا نتحدث عن مخالفات منفصلة، وإنما عن ثقافة تتسلل بهدوء إلى الضمير الجمعي حتى تصبح أمرًا مألوفًا لا يثير الاستنكار.

ومن المفارقات أن كثيرين يرفعون أصواتهم ضد فساد كبار المسؤولين، بينما لا يجدون حرجًا في ممارسة أشكال مصغرة من الفساد عندما تخدم مصالحهم الشخصية. فكيف نطالب بنزاهة من يقود الدولة، ونحن نتسامح مع غياب النزاهة في أنفسنا؟ وكيف ننتظر مسؤولًا نزيهًا من مجتمع يرى في الرشوة “إكرامية”، وفي المحسوبية “واسطة”، وفي التحايل “شطارة”؟

نتيجة طبيعية

إن الفساد لا يولد في مكاتب المسؤولين الكبار، وإنما يبدأ حين يفقد الإنسان احترامه للقانون، ويبرر تجاوزاته الأخلاقية بحجج من قبيل: “الجميع يفعل ذلك”، أو “لن يتغير شيء”. وعندما تتكرر هذه الممارسات على نطاق واسع، يصبح الفساد الكبير نتيجة طبيعية، لا استثناءً.

وهذا لا يعني تبرئة أصحاب القرار من مسؤولياتهم، فهم يتحملون العبء الأكبر في حماية المال العام، وفرض القانون، وبناء مؤسسات نزيهة. غير أن تحميلهم المسؤولية كاملة، مع تجاهل دور المجتمع، يمثل قراءة ناقصة للمشكلة. فالدولة ليست كيانًا منفصلًا عن الناس، وإنما انعكاس لثقافة المجتمع وقيمه وسلوكياته.

إن معركة مكافحة الفساد لا تبدأ من هيئة رقابية، ولا من محكمة، ولا من حملة إعلامية، وإنما تبدأ من ضمير الفرد. تبدأ عندما يرفض الموظف الرشوة، ويرفض المواطن تقديمها، ويلتزم التاجر بالأمانة، ويؤمن الجميع بأن النزاهة ليست خيارًا عندما تكون الظروف مناسبة، وإنما مبدأ لا يتغير بتغير المصالح.

لن نستطيع بناء دولة نظيفة في ظل مجتمع يتسامح مع الفساد اليومي. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من أعلى الهرم فحسب، وإنما يمتد إلى كل بيت، وكل مدرسة، وكل دائرة، وكل متجر، ومن كل إنسان يقف أمام مرآته قبل أن يشير بأصابع الاتهام إلى الآخرين.

فالفساد ليس مجرد مسؤول فاسد، وإنما ثقافة تتغلغل في المجتمع، وإذا أردنا أن نهزمها، فعلينا أولًا أن نقتلع جذورها من أنفسنا قبل أن نطالب الآخرين باقتلاعها من مؤسسات الدولة.

فاليد التي تمتد اليوم لتقديم رشوة صغيرة، لا يحق لها أن ترتفع غدًا لتدين سرقة وطن بأكمله. وما لم نُحاسب أنفسنا قبل أن نُحاسب غيرنا، سيبقى الفاسد الكبير يولد كل يوم من رحم فسادٍ صغير اعتدنا التعايش معه حتى فقدنا القدرة على رؤيته.


مشاهدات 64
الكاتب مرتضى كاظم الزيدي
أضيف 2026/07/06 - 4:00 PM
آخر تحديث 2026/07/07 - 2:13 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 134 الشهر 6498 الكلي 15911625
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير