الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مقصلة هرمز.. حين تصبح جغرافيا التصدير سؤال وجود لا إقتصاد

بواسطة azzaman

مقصلة هرمز.. حين تصبح جغرافيا التصدير سؤال وجود لا إقتصاد

كاظم نزار الركابي

 

حين أُغلق مضيق هرمز عمليًا بفعل الحرب، لم تتوقف السفن وحدها. توقفت معها قدرة دولة تقوم موازنتها على النفط على تحويل ثروتها إلى رواتب وخدمات ومشروعات.

في ساعات قليلة، اكتشف العراق أن امتلاك النفط شيء، وامتلاك الطريق الذي يحمله إلى العالم شيء آخر. فالاحتياطي المدفون تحت الأرض لا يصنع السيادة وحده، والملايين المنتجة لا تتحول إلى قوة إذا بقيت معلقة عند بوابة لا تملك بغداد مفتاحها. هذه ليست إدانة لقرار دولة أخرى. إنها إدانة لضعف ستراتيجي عراقي ممتد، انتظر لحظة كاشفة كي يظهر عاريًا من كل الأعذار.

وكان هرمز تلك اللحظة.

المقصلة الجيوسياسية

لا تُفهم أزمة هرمز في بُعدها العراقي بوصفها اضطرابًا مؤقتًا في التصدير. إنها مقصلة جيوسياسية؛ آلية ضغط هيكلية تبقى معلقة فوق اقتصاد العراق، حتى حين تبدو المياه هادئة.

المقصلة لا تحتاج إلى أن تهبط كل يوم كي تؤدي وظيفتها. يكفي أن تبقى فوق الرأس.

فالدولة التي تعتمد في الغالبية الساحقة من صادراتها على منفذ واحد تمنح من يتحكم في ذلك المنفذ قدرة غير معلنة على التأثير في موازنتها وقرارها وحدود حركتها. لا يحتاج الأمر إلى جيش يعبر الحدود، ولا إلى عقوبات دولية. يكفي أن تُغلق بوابة واحدة، أو ترتفع مخاطر العبور فيها، أو ترفض شركات التأمين إرسال ناقلاتها.

عندها يتحول النفط من مصدر قوة إلى مصدر انكشاف.

ما كشفه هرمز لم يكن هشاشة طريق التصدير وحده. كشف هشاشة المعادلة السيادية كلها. فالدولة التي لا تضمن وصول ثروتها إلى الأسواق لا تدخل المفاوضات الدولية بكامل وزنها؛ لأن الآخرين يعرفون أن طرفًا ثالثًا يستطيع، عند الضرورة، الإمساك بشريانها المالي.

قرار يتجاوز الأنبوب

لهذا تتجاوز أهمية قرار مجلس الوزراء في 4 تموز دلالته النفطية المباشرة. فقد سمح القرار لشركة نفط البصرة بإبرام اتفاقات مبادئ أولية مع ائتلاف دولي لإعداد دراسات فنية ومالية تقارن بين مساري البصرة–حديثة–كركوك–جيهان والبصرة–حديثة–بانياس.

الاتفاقات أولية، ولا ترتب التزامات تعاقدية نهائية. غير أن قيمتها تكمن في السؤال الذي تفتحه: هل بدأ العراق ينتقل من معالجة الاختناق بعد وقوعه إلى بناء البدائل قبل عودته؟

الجذع الممتد من البصرة إلى حديثة، بطاقة مخططة تصل إلى 2.5 مليون برميل يوميًا، لا ينبغي أن يُقرأ كأنبوب فقط. إنه بداية محتملة لعقيدة جديدة تجعل التصدير شبكة خيارات، بدل أن يبقى رحلة إجبارية نحو عنق واحد.

العراق لا يحتاج إلى أنبوب جديد فحسب. يحتاج إلى سيادة المخارج المتعددة.

لا طريق بريء

جيهان ليس منفذًا هندسيًا محايدًا، وبانياس ليس ميناءً خارج السياسة. كل طريق يعبر أرض دولة يحمل معه مصالحها وحساباتها وقدرتها على التفاوض.

المسار التركي يرتبط بعلاقة معقدة تشمل الطاقة والأمن والمياه وملف إقليم كردستان والاتفاقات القانونية السابقة. أما المسار السوري فيمر عبر دولة تعيد بناء موقعها، وفي جغرافيا تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية ثقيلة.

لكن الخطأ يبدأ حين يُصاغ القرار على أنه اختيار بين محورين.

فالمرور عبر تركيا لا ينبغي أن يجعل العراق تابعًا للمعادلة التركية، والمرور عبر سوريا لا ينبغي أن يدخله في التزامات تتجاوز مصلحته. الممر يصنع حقل مصالح، لكنه لا ينبغي أن يصنع ولاءً سياسيًا.

الدبلوماسية الناجحة لا تختار بين الاختناقات. تبني شبكة تمنع أي اختناق منفرد من التحول إلى حق نقض على القرار الوطني.

سيادة المخارج المتعددة

تعلمت دول الخليج مبكرًا أن الثروة التي تمر من بوابة واحدة تبقى معرضة للاحتجاز. فأنشأت السعودية خط الشرق–الغرب نحو البحر الأحمر، وبنت الإمارات خط حبشان–الفجيرة نحو خليج عُمان.

لم تنتظر تلك الدول إغلاق المضيق كي تفكر في البديل. بنت البديل حتى لا يصبح الإغلاق، إن وقع، حكمًا بالإعدام الاقتصادي.

وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن يتعلمه العراق: لا يكفي أن يختار بين جيهان وبانياس. الأصح أن يعمل من أجل جيهان وبانياس والعقبة والموانئ الجنوبية، مع خزانات ستراتيجية وشبكة داخلية تسمح بتحويل التدفقات بين المسارات.

الدولة ذات الرئة الواحدة تظل خائفة من أول انقطاع. أما الدولة متعددة الرئات، فتوزع المخاطر وتحتفظ بقدرتها على الحركة.

كل مخرج جديد لا يضيف قدرة تصديرية فقط. يضيف درجة إلى حرية القرار.

الشركة ليست دولة

وجود شركات أميركية كبرى، وفي مقدمتها شيفرون، يمنح الدراسات وزنًا فنيًا وتمويليًا، ويعكس اهتمامًا دوليًا بعودة العراق إلى خريطة الاستثمارات الكبرى.

غير أن المتابع يعرف الفرق بين الشركة والدولة.

شيفرون تحمل مصالح مساهميها وشروطها التجارية وتقديرها للمخاطر. وجودها لا يعني ضمانة أميركية مفتوحة، كما أن العقد التجاري لا يتحول تلقائيًا إلى تحالف سياسي.

الشراكة الذكية تقوم على وضوح المصالح: تستفيد بغداد من الخبرة والتمويل والتكنولوجيا، وتحمي في الوقت نفسه ملكيتها للقرار، وشروط التعاقد، وحرية اختيار المسار.

العراق لا يحتاج إلى استبدال ارتهان جغرافي بارتهان تعاقدي. يحتاج إلى شريك قوي، ودولة أقوى من شريكها.

من الفجر الأحمر إلى حماية الشرايين

في ثلاثية الفجر الأحمر كان السؤال: كيف تسترد الدولة أموالها من الداخل، وتسقط الحيتان، وتكشف الحراس، وتجفف البحر الذي ربّاها؟

أما السؤال اليوم فهو: كيف تحمي الدولة شرايين المال من الخارج؟

فالفاسد يستطيع احتجاز جزء من الدولة في الداخل. والممر الواحد يستطيع احتجاز الدولة كلها في الخارج.

استرداد المال سيادة. وحماية طريق المال سيادة أيضًا.

لذلك لا ينبغي أن يبقى قرار خطوط التصدير استجابة متأخرة لأزمة هرمز. عليه أن يتحول إلى عقيدة أمن اقتصادي، تربط النفط بالأمن الوطني، وتضع تنويع المنافذ في منزلة حماية الحدود والاحتياطيات والقرار المستقل.

الجغرافيا قدر لا يتغير. أما تحويلها إلى مقصلة، أو إلى شبكة قوة، فهو اختيار تصنعه الدولة.

العراق لا يحتاج إلى الخروج من مضيق هرمز جغرافيًا. يحتاج إلى الخروج من عقلية المضيق الواحد.

فالدولة التي تملك النفط تملك ثروة.

أما الدولة التي تملك طرق نفطها، فتملك قرارها.


مشاهدات 72
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/07/06 - 4:03 PM
آخر تحديث 2026/07/07 - 2:20 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 136 الشهر 6500 الكلي 15911627
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير