الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عندما تصنع مواقع التواصل شيوخ المجتمع

بواسطة azzaman

عندما تصنع مواقع التواصل شيوخ المجتمع

خميس الخزرجي

 

لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتواصل وتبادل الأخبار، بل تحولت إلى قوة قادرة على إعادة تشكيل منظومة القيم والعادات والتقاليد داخل المجتمع. والخطورة لا تكمن في التقنية بحد ذاتها، وإنما في طريقة استخدامها، وفي منحها سلطة أكبر من سلطة الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الاجتماعية.

لقد أصبح كثير من الشباب يقيس النجاح بعدد المتابعين، والهيبة بعدد الإعجابات، والتأثير بعدد المشاهدات، حتى باتت بعض الشخصيات تُمنح القاباً اجتماعية لا تستند إلى علم أو خبرة أو مكانة حقيقية، وإنما إلى شهرة رقمية عابرة. فظهر ما يمكن تسميته بـ”شيوخ مواقع التواصل”، و”مديري مواقع التواصل”، و”وجهاء المنصات”، بينما يغيب أصحاب الكفاءة والعلم والخبرة.

منصب حقيقي

إن شيخ العشيرة يجب أن يكون شيخاً بين أبناء عشيرته بحكمته وإصلاحه بين الناس، لا بعدد متابعيه. والمدير يجب أن يكون مديراً في مؤسسته بإنجازه وعدالته، لا مديراً لحساب إلكتروني. فالمنصب الحقيقي يصنعه العمل، أما الشهرة الإلكترونية فقد تصنعها لحظة عابرة وتنهيها لحظة أخرى. ومن أخطر ما أفرزته هذه المنصات أنها دفعت كثيرًا من الشباب إلى نشر تفاصيل حياتهم الخاصة وصورهم ومقاطعهم دون إدراك أن ما يُنشر اليوم قد يتحول بعد سنوات إلى وسيلة ابتزاز أو تشويه أو إساءة للسمعة. صورة التُقطت في مرحلة الدراسة، أو مقطع نُشر بدافع المزاح، قد يعود بعد عشر سنوات ليقف عائقًا أمام وظيفة أو منصب أو علاقة اجتماعية، وربما يتحول إلى أداة ابتزاز لا يستطيع صاحبها التخلص منها.

لهذا فإن الوعي الرقمي أصبح ضرورة، وليس ترفاً. فليس كل ما يمكن نشره يستحق النشر، وليس كل ظهور يضيف إلى الإنسان قيمة. إن احترام الذات يبدأ من احترام الخصوصية، وحماية السمعة تبدأ من حسن استخدام وسائل التواصل.

ضعف منظومة

كما أن الانسياق وراء التقليعات والسلوكيات الدخيلة يهدد هوية المجتمع، ويضعف منظومة القيم التي تربى عليها العراقيون عبر عقود طويلة. فالمجتمع لا يقيس الإنسان بما ينشره على هاتفه، وإنما بأخلاقه، وثقافته، وعلمه، وعطائه، وأثره الحقيقي في خدمة الناس.

إن الذين يلهثون خلف الشهرة الفارغة، ويجعلون من أنفسهم مادة للترفيه الرخيص، قد يحصدون ملايين المشاهدات، لكنهم لا يحصدون الاحترام. فالاحترام لا يُشترى بالإعجابات، ولا يُقاس بعدد المتابعين، بل يُبنى بالمواقف والإنجازات والقيم.

إن مسؤولية الأسرة اليوم أكبر من أي وقت مضى، فهي مطالبة بتربية الأبناء على التفكير قبل النشر، وعلى إدراك أن العالم الرقمي لا ينسى، وأن كل ما يُوثق قد يبقى شاهداً على صاحبه سنوات طويلة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل شاب على نفسه قبل أن يضغط زر النشر: هل ما أنشره اليوم سيزيد من احترامي بعد عشرين عاماً، أم سيكون عبئاً أندم عليه؟

إن المستقبل لا يبنيه من يطارد الشهرة المؤقتة، وإنما يصنعه من يحافظ على قيمه، ويحترم ذاته، ويجعل حضوره في المجتمع أقوى من حضوره على الشاشات.


مشاهدات 56
الكاتب خميس الخزرجي
أضيف 2026/07/01 - 4:57 PM
آخر تحديث 2026/07/02 - 2:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 192 الشهر 1255 الكلي 15906382
الوقت الآن
الخميس 2026/7/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير