الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جرس إنذار يطرق باب المجتمع.. شيوع الموت إختياراً بين الشباب

بواسطة azzaman

جرس إنذار يطرق باب المجتمع.. شيوع الموت إختياراً بين الشباب

منهل الهاشمي

 

لم تعد ظاهرة الانتحار لدى المراهقين والشباب على وجه الخصوص مجرد اخبار او ارقام تتناقلها وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى قضية اجتماعية خطيرة تستدعي وقفة جادة من المؤسسات الحكومية والدينية والاكاديمية والتربوية والثقافية بعد أن تفشت نسبتها مؤخرا بين تلك الفئة والتي كان من الممكن ان يكون لها دورا محوريا في البناء والتنمية وصناعة المستقبل. ففي كل خبر مؤسف نسمعه عن شاب أنهى حياته أو فتاة اختارت الرحيل المبكر بصمت تتجسد مأساة إنسانية عميقة، وتبرز أسئلة مؤلمة عن الأسباب التي دفعت بهؤلاء إلى الوصول إلى مرحلة يرون فيها الموت راحة وأكثر رحمة من الحياة.. واليأس أكثر حضوراً من الأمل. وإذا ما اردنا البحث في أسبابها وحيثياتها نجد بأنّ السنوات الأخيرة قد أفرزت جملة من العوامل الاقتصادية، والاجتماعية، والعشائرية، والسياسية، التي أدت الى هذه الظاهرة وأسهمت في تفاقمها. وفي مقدمتها تفشي البطالة بين الشباب ولا سيما خريجي الجامعات والمعاهد وحملة الشهادات العليا الذين أمضوا سنوات طويلة في مقاعد الدراسة على أمل الحصول على فرصة عمل تحفظ كرامتهم وتؤمن لهم مستقبلاً مستقراً. غير أن كثيراً منهم وجد نفسه بعد التخرج أمام أبواب موصدة.. وأحلام موؤودة.. ومستقبل يكتنفه الغموض والقلق. فيتحول الإحباط تدريجياً إلى شعور بالعجز والاغتراب، وقد يدفع بهم اليأس لإنهاء حياتهم إختياراً هرباً من واقع مظلم يخلو من أي امل.. او ضوء في آخر النفق.

طلاق مبكر

ولا تقف الأسباب عند الجانب الاقتصادي فحسب بل تمتد إلى عوامل اجتماعية كثيرة ومتعددة منها : التفكك الأسري، تفشي ظاهرة الطلاق، زواج القاصرات بالإكراه مما ينتج عنه في حالات كثيرة الطلاق المبكر وهروب الفتاة القاصر مع اطفالها الى المجهول خلاصا من بيت أهلها، لتتلقفها مافيات الدعارة والاتجار بالبشر. فتكون نهايتها اما في بيوت الدعارة المعلنة، او أماكن الدعارة المقنّعة كالكافيهات التي تعمل فيها الفتيات، مراكز المساج، وغيرها من الأماكن المشبوهة – وما اكثرها – التي تعمل على تسليع المرأة بصور واشكال شتى، الامر الذي قد يودي ببعضهن الى الانتحار خلاصا من هذا الظلم والعذاب. وهناك ايضا العنف الاسري المتمثل بتسلط الاب او الابن البكر القمعي تجاه بقية افراد الاسرة، والعنف المجتمعي والسلوك العدواني المؤسف الذي شابَ مجتمعنا في السنوات الأخيرة. وكذلك الرسوب او الاخفاق في امتحانات البكالوريا الثانوية وعدم تحقيق المعدل المرجو للقبول في الكلية والتخصص الذي تحلم / يحلم به ويحقق الطموح. فضلاً عن الضغوط النفسية المتراكمة التي تفرضها ظروف الحياة اليومية والمعيشية. ناهيك عن الأزمات السياسية المتواصلة وعدم الاستقرار التي تنعكس سلبا حتما على المجتمع اقتصاديا واجتماعيا ونفسيا. كما أن تنامي ظاهرة الإدمان على المخدرات والمؤثرات العقلية يمثل عاملاً خطيراً آخر في هذه المعادلة المأساوية. فالإدمان لا يدمر صحة الإنسان فحسب بل يقوده إلى اضطرابات نفسية حادة، ويزيد من مشاعر العزلة والاكتئاب وفقدان الإتزان النفسي، فيفضي في بعض الحالات إلى محاولات الانتحار أو الإقدام عليه.

ولا ننسى بعض القيم العشائرية المتخلفة التي ما زالت متفشية في العديد من القرى والارياف مثل النهوة العشائرية، وما يعرف بزواج (كَصة بكَصة) بصرف النظر عن رأي البنت، زواج المرأة عنوةً كحل لمشكلة عشائرية والتي تسمى بـ (فصلية)، وينظر لها بدونية فهي من ضمن (الصفقة) العشائرية التي تعرف بـ(الفصل)!!.ومن بين الأسباب التي لا يمكن إغفالها أيضاً تراجع الوازع الديني لدى الكثير من الشباب، وضعف الارتباط بالقيم الإسلامية والإنسانية النبيلة التي تدعو إلى الصبر والتحمل والتفاؤل والتمسك بالأمل مهما اشتدت المحن. فحين يبتعد الإنسان عن منابع الإيمان والطمأنينة الروحية يصبح أكثر عرضة للفراغ النفسي، والقلق الوجودي وفقدان معنى الحياة. كما أسهمت بعض التحولات الثقافية والإعلامية االحداثوية المتمثلة بمواقع التواصل الاجتماعي في نشر أنماط من السلوك والأفكار التي تمجد الفردية المفرطة، أو تصور النجاح المادي بوصفه المعيار الوحيد للقيمة الإنسانية وإنْ جاء بطريقة رخيصة على شاكلة (الفاشلستات) والبلوغرات وغيرهن.

-مما يضاعف شعور الاحباط والفشل لدى الفتيات والشباب الذين تعجز ظروفهم عن تحقيق مثل تلك الحياة السعيدة المثالية برأيهم.

إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالمعالجات الأمنية أو الإعلامية وحدها، بل تتطلب مشروعاً وطنياً متكاملاً يبدأ بتوفير فرص العمل الحقيقية للشباب، وتعزيز برامج الدعم النفسي والإرشاد التربوي، وتفعيل دور الأسرة والمدرسة والجامعة، وتحصين المجتمع من آفة المخدرات والدعارة المتفشيتان، وترسيخ القيم الدينية والأخلاقية التي تمنح الإنسان القدرة على مواجهة الأزمات والتغلب عليها. فالشباب ليسوا مجرد أرقام في نشرات الأخبار بل هم ثروة العراق الحقيقية ورأسماله الاستثماري البشري الأهم. وحين يفقد المجتمع أبنائه بسبب اليأس فإنه لا يخسر أفراداً فحسب.. بل يخسر أحلاماً ومواهب وطاقات هائلة. إن الانتحار ليس أزمة فردية بل هو حصيلة تراكبية.. وتراكمية في منظومة الاختلالات المذكورة في النواحي اعلاه. لذلك فإن مسؤولية إنقاذ شبابنا من براثن اليأس تقع على عاتق الجميع لأن حماية الأرواح تبدأ بإحياء الأمل.. وفتح أبواب المستقبل، وإشعار الإنسان بأن للحياة معنى يستحق أن يُعاش من أجله.

 

كاتب وأكاديمي

 

 

 

 

 


مشاهدات 28
الكاتب منهل الهاشمي
أضيف 2026/06/24 - 2:43 PM
آخر تحديث 2026/06/25 - 1:12 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 74 الشهر 23782 الكلي 15899263
الوقت الآن
الخميس 2026/6/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير