الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يحكم مضيق هرمز السياسة العالمية

بواسطة azzaman

حين يحكم مضيق هرمز السياسة العالمية

محمد علي الحيدري

 

قد يبدو غريباً أن يظل العالم كله يراقب بقلق شريطاً مائياً لا يتجاوز عرضه عشرات الكيلومترات في أضيق نقاطه. لكن ما إن ترتفع حدة التوتر في الخليج، حتى تقفز أسعار النفط، وترتفع تكاليف التأمين البحري، وتهتز الأسواق المالية، وتبدأ الحكومات الكبرى بعقد اجتماعات عاجلة. كل ذلك بسبب مضيق هرمز.

هذه الحقيقة تكشف أن الجغرافيا لا تزال أحد أهم مصادر القوة في العلاقات الدولية. فإيران لا تمتلك أكبر اقتصاد في العالم، ولا أقوى جيش، لكنها تمتلك موقعاً جغرافياً يمنحها قدرة على التأثير في أحد أهم شرايين الطاقة العالمية. لذلك فإن أي حديث عن احتمال إغلاق المضيق، أو حتى تهديد الملاحة فيه، يتحول فوراً إلى قضية دولية تتجاوز حدود المنطقة.

هذه ليست حالة استثنائية، بل تعبير عن ظاهرة أوسع يمكن وصفها بعودة الجغرافيا السياسية. فبعد انتهاء الحرب الباردة، ساد الاعتقاد بأن العولمة والتكنولوجيا والتجارة الدولية ستجعل الموقع الجغرافي أقل أهمية، وأن الاقتصاد سيصبح المحرك الأول للعلاقات بين الدول. غير أن السنوات الأخيرة أثبتت العكس.

ممرات بحرية

فالحرب في أوكرانيا أعادت الاعتبار للحدود والعمق الاستراتيجي. والبحر الأحمر أثبت أن قوة الفاعلين لا تُقاس دائماً بحجمهم العسكري، بل بقدرتهم على التأثير في الممرات البحرية.

أما تايوان، فقد تحولت إلى إحدى أخطر بؤر التوتر في العالم، ليس بسبب مساحتها، وإنما بسبب موقعها الاستراتيجي ودورها المحوري في صناعة الرقائق الإلكترونية.

وهكذا لم تعد القوة تُقاس بعدد السكان أو حجم الناتج المحلي فحسب، بل أيضاً بالقدرة على التحكم بالموانئ، والمضائق، وخطوط الطاقة، وسلاسل الإمداد. فالجغرافيا التي ظن كثيرون أنها فقدت أهميتها أمام الثورة الرقمية، عادت لتفرض نفسها من جديد، ولكن بأدوات أكثر تعقيداً.

الدرس الذي يقدمه مضيق هرمز يتجاوز الخليج العربي. فهو يذكرنا بأن الخرائط لا تزال تصنع السياسة، وأن الموقع قد يمنح دولة متوسطة أو حتى صغيرة تأثيراً يفوق كثيراً إمكاناتها الاقتصادية أو العسكرية. وفي عالم تتزايد فيه المنافسة بين القوى الكبرى، تبدو الجغرافيا أقل استعداداً للتراجع من أي وقت مضى.

ربما تغيرت وسائل الصراع، لكن حقائقه الأساسية لم تتغير.

اقتصاد عالمي

فما زال المكان يصنع النفوذ، وما زالت الممرات البحرية تحدد جزءاً كبيراً من حركة الاقتصاد العالمي، وما زالت الدول تدرك أن السيطرة على عقدة جغرافية واحدة قد تمنحها نفوذاً لا تستطيع شراؤه بالمال وحده.

لهذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا يخشى العالم أي توتر في مضيق هرمز، بل لماذا ظن العالم، ولو لسنوات قليلة، أن الجغرافيا فقدت سلطتها على السياسة الدولية.

 

 


مشاهدات 155
الكاتب محمد علي الحيدري
أضيف 2026/07/01 - 4:56 PM
آخر تحديث 2026/07/02 - 3:00 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 194 الشهر 1257 الكلي 15906384
الوقت الآن
الخميس 2026/7/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير