الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من الفجر الأحمر إلى صباح الدولة 3- 3

بواسطة azzaman

من الفجر الأحمر إلى صباح الدولة 3- 3

سقوط الحيتان يُجفَّف البحر

كاظم نزار الركابي

 

في السرديات القديمة، لا يُحاكَم الفجر بضوئه وحده. يُحاكَم بما تكشفه أشعته الأولى حين تمسح وجه الأرض: هل تراجع الليل حقاً، أم بدّل قناعه وانتظر فرصة أخرى للعودة؟

هذا هو سؤال العراق بعد الفجر الأحمر. ليست القضية في عدد الأسماء التي سقطت من واجهة النفوذ إلى أبواب التحقيق، ولا في حجم الأموال التي يمكن أن تعود إلى الخزينة، ولا في الصدمة التي أحدثتها ليلة المنطقة الخضراء. كل ذلك مهم، لكنه لا يكفي.

السؤال الأعلى هو: ما الذي سيبنيه الصباح بعد هذا الفجر؟

فالحملة التي تُسقط الفاسدين تصنع عدالة. أما الحملة التي تمنع إنتاجهم من جديد، فتصنع وطناً جديداً.

سقف الحملة أم أساس الدولة؟

كل أمة تمر بلحظة لا تشبه ما قبلها. لحظة تختبر فيها لا قوة أجهزتها وحدها، إنما صدق نيتها مع نفسها. وهذه اللحظة لا تُقاس بضجيج الأرقام، إنما بسؤال واحد: هل كان الفجر الأحمر سقفاً تتوقف عنده الحملة، أم أساساً تُبنى فوقه مرحلة جديدة؟

السقف يُغلق الطريق. الأساس يفتحه.

السلطة التي تكتفي بالسقف تعتقل، وتُعلن، وتحتفل، ثم تُغلق الملف حين يقترب من عتبة ثقيلة من النفوذ. أما المؤسسة التي تبني الأساس، فلا تتوقف عند شخص أو منصب أو عقد. تذهب إلى القاعدة التي جعلت المنصب ممراً، والعقد غنيمة، والتوقيع سلعة، والصمت شريكاً.

العراق اليوم يقف عند هذا الخط الفاصل تماماً: بين حملة قوية تستحق التقدير، وبداية كيان يستحق التاريخ.

حين يعود الدينار معنى

حين يُفتح حساب خاص لإيداع الأموال المستردة، يبدو الأمر للوهلة الأولى إجراءً مالياً. غير أن عين الوطن ترى فيه أكثر من ذلك. ترى إمكانية ولادة ميثاق استرداد وطني، لا تُكتب صفحاته بالخطابة، إنما بالأرقام والطرق والمدارس والمستشفيات وشبكات الكهرباء.

الأموال التي تعود إلى الخزينة لا ينبغي أن تختفي داخل الأرقام العامة. ينبغي أن يراها المواطن وهي تعود إلى حياته. دينار مسترد يتحول إلى صف دراسي. دولار مسترد يتحول إلى جهاز طبي. عقد ملغى يتحول إلى طريق مكتمل. عندها فقط يفهم الناس أن المؤسسة لا تسترد المال فحسب، إنما تسترد المعنى.

استرداد المال مهم. لكن استرداد الثقة هو المال السياسي الأكبر لأي سلطة عامة.

سرق الفساد من العراقيين أكثر من الأموال. سرق إيمانهم بأن القانون يصل إلى الأقوياء. سرق هيبة الوظيفة العامة. سرق الشعور بأن الوطن بيت مشترك لا مزرعة حزبية. لذلك فإن المعركة بعد الفجر الأحمر ليست مالية فقط. إنها معركة استرداد الثقة بين المواطن والسلطة.

السيادة الاستردادية

كان الفاسد الكبير يراهن دائماً على الجغرافيا. يهرب من محافظة إلى إقليم، ومن إقليم إلى دولة جوار، ومن دولة جوار إلى عاصمة بعيدة تحميه بقوانين الإقامة والاستثمار والمصارف الهادئة. كان يظن أن الحدود التي تعجز السلطة عن حراستها في الداخل ستعجز عن ملاحقته في الخارج.

لكن العراق حين يستعيد وعيه لا يكتفي بحراسة حدوده. يمد يد القانون إلى ما وراء الحدود، ويُضيّق المسافة بين المال المنهوب وصاحبه، ويقول للفاسد إن العالم لم يعد مخبأً آمناً لمن خان وطنه.

هذه هي السيادة الاستردادية. سيادة لا تقف عند رفع العلم والخطاب والحدود، إنما تلاحق المال العام أينما اختبأ، وتعيد تعريف قوة الكيان السياسي بقدرته على استرداد ما سُرق منه، في الداخل والخارج معاً.

في السيادة التقليدية، تحمي السلطة أرضها من الاعتداء. وفي السيادة الاستردادية، تحمي ذاكرتها ومالها وحق شعبها من النهب والهروب والنسيان.

ثق بنا” لم تعد كافية

منذ 2003، عاش العراق في ظل عقد مكسور بين السلطة والمواطن. المواطن يرى الثروة تمر أمامه، ولا يرى أثرها في بيته ومدرسته ومستشفاه. يسمع عن الموازنات، ولا يرى أثرها. يسمع عن الإصلاح، ثم يرى الفاسد يعود بوجه آخر ومنفذ جديد.

الفجر الأحمر، إذا استمر بمنطق المؤسسة لا بمنطق الصولة، يمكن أن يفتح باب عقد جديد. عقد لا يقوم على الوعود، إنما على البرهان. لا يقوم على إعلان النية، لكن على تغيير القاعدة. لا يقول للمواطن: ثق بنا، إنما يريه لماذا يمكن أن يثق.

هذا العقد يحتاج ثلاثة شروط.

الأول: أن تصل الملاحقة إلى من صمّم لا من نفّذ فقط؛ إلى الحارس الخفي لا الواجهة الظاهرة وحدها.

الثاني: أن تتغير آلية اختيار المسؤول، فلا يعود المنصب مكافأة ولاء، إنما أمانة كفاءة.

الثالث: أن تُروى الحملة بشفافية تحفظ هيبة القانون؛ فالعدالة التي تُدار في الظل تفقد جزءاً من قدسيتها، حتى حين تكون عادلة في نتائجها.

اسم لم يُولد بعد

هنا يطل السؤال الأكبر: هل يمكن أن يكون الفجر الأحمر بداية طريق نحو ما يمكن تسميته، بحذر وأمل، الجمهورية الثالثة؟

ليست جمهورية تُعلن ببيان. ولا مرحلة تُولد بشعار. الجمهورية الثالثة، إن وُلدت، لا تولد من تغيير الأسماء فقط، ولا من انتخابات جديدة وحدها، ولا من جرأة رئيس وزراء مهما كانت مهمة. تولد حين يتغير منطق الحكم نفسه: من سلطة الغنيمة إلى سلطة الأمانة، ومن وزارة الحصة إلى مؤسسة الخدمة، ومن قانون يخجل أمام النفوذ إلى قانون يطرق أبواب الأقوياء بثقة.

الجمهورية الثالثة ليست انقلاباً على الدستور. إنها استعادة لمعناه. ليست خصومة مع السياسة. إنها إعادة السياسة إلى وظيفة البناء لا تقاسم الغنيمة. ليست نهاية الأحزاب. إنها نهاية حق الأحزاب في تحويل الوطن إلى ممتلكات جانبية.

النهار الذي طال انتظاره

الفجر لا يكتمل حين يطلع الضوء. يكتمل حين يعرف الناس ماذا سيفعلون بالنهار.

والعراق لا يحتاج إلى فجر واحد أحمر، يلمع فوق أسماء موقوفة ثم يختفي في زحام الأخبار. يحتاج إلى صباح طويل من القواعد الصلبة. يحتاج إلى مسؤول يعرف أن توقيعه سيلاحقه بعد مغادرته المنصب.

يحتاج إلى وزير يفهم أن وزارته أمانة لا حصة. يحتاج إلى قضاء لا يرهبه الاسم. يحتاج إلى رقابة تصل قبل الكارثة لا بعدها. ويحتاج إلى ذاكرة مال عام لا تسمح للأدراج أن تصير مقابر هادئة للحقيقة.

الفجر الأحمر بدأ بسؤال الحيتان، ثم كشف سؤال الحراس، وها هو يصل إلى السؤال الأعلى: كيف نبني وطناً لا يُنتِج الحيتان من جديد؟

هنا فقط تنتهي الحملة وتبدأ المؤسسة.

وهنا فقط لا يكون الفجر الأحمر صولة في ليل طويل، إنما بداية نهار عراقي طال انتظاره.

فالسلطة التي تُحاكم فاسديها تصنع عدالة.

والسلطة التي تُجفف منابع الفساد تصنع مستقبلاً.

والفرق بينهما هو الفرق بين فجرٍ يُذكر، وفجرٍ يُؤسَّس عليه.

تعليق على تصريح رئيس مجلس الوزراء

 


مشاهدات 55
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/07/01 - 4:55 PM
آخر تحديث 2026/07/02 - 2:39 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 191 الشهر 1254 الكلي 15906381
الوقت الآن
الخميس 2026/7/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير