الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كرسي والدي .. عرش الطفولة

بواسطة azzaman

كرسي والدي .. عرش الطفولة

أحمد جاسم الزبيدي

 

حاولتُ مرارًا، وأنا في سنوات الطفولة الأولى، أن أتقمص شخصية والدي. فكلُّ صبيٍّ يرى في أبيه بطله الأول، ويحلم أن يقلده في هيئته، وطريقة جلوسه، وحتى في خطواته. كنت أراقبه بعينٍ يملؤها الإعجاب، وأتمنى أن أكبر سريعًا لأصبح نسخةً منه.

كان لأبي كرسي خشبي صغير، خفيف الوزن، قابل للطي، يسهل حمله ونقله. لكنه في مخيلتي لم يكن مجرد كرسي، بل كان عرشًا حقيقيًا. كان يضعه أمام دكانه المجاور سيف (علوة لبيع الحبوب والتمور) منعم النجم، ويجلس عليه بكل وقار، واضعًا ساقًا فوق أخرى، بينما تستقر أمامه نرجيلته التي كان يجلبها إليه «شاطي» صانع الأراكيل من مقهى حميد المجيد القريب. في تلك اللحظات، لم أكن أرى أمامي رجلًا يجلس أمام دكانه، بل سلطانًا يعتلي عرشه، يدير مملكته بهدوء وثقة.

وما إن يحين موعد قيلولة أبي، حتى تبدأ معركتي الصغيرة مع أخي الأصغر وليد. كان هو الآخر يحلم بالجلوس على ذلك الكرسي، لكن فارق العمر كان يمنحني الأفضلية دائمًا. كنت أسرع إليه، أجلس في المكان نفسه، وأضع ساقًا فوق الأخرى، محاولًا تقليد أبي بكل تفاصيله.

وفي تلك اللحظات كانت مخيلتي تنطلق بعيدًا. أتخيل نفسي حاكمًا، أمسك قلمًا بيدي، وأضع نظارة على عيني، رغم أنني لم أكن أعرف لماذا كنت أصر على وجودها. ربما كنت أظن أن النظارة تمنح صاحبها الهيبة والوقار، أو لعلها كانت واحدة من أحلام الطفولة التي لا تحتاج إلى تفسير.

وذات يوم، دخلت الدكان فلم أجد الكرسي في مكانه. أصابني الذعر، وشعرت وكأن جزءًا من عالمي قد اختفى. ترددت في سؤال والدي، خوفًا من أن يظن أنني أنا من أضاعه أو نسيه خارج الدكان. ظل الحزن يرافقني، وراودتني أسئلة كثيرة: أين ذهب العرش الذي كنت أحكم منه مملكتي الصغيرة؟

ولم يطل الانتظار كثيرًا. فإذا بسليم، المصور الشمسي الذي كان يعمل بجوار المقهى، يعود حاملًا الكرسي. كان من أولئك المصورين القدامى الذين يخفون رؤوسهم تحت قطعة قماش سوداء خلف صندوق التصوير الخشبي، قبل أن يخرجوا الصورة وكأنها معجزة صغيرة.

ابتسم سليم وهو يعيد الكرسي إلى والدي، واعتذر موضحًا أن زوجين جاءا لالتقاط صورة تذكارية، ولم يجد سوى كرسي أبي ليجلسا عليه معًا. عندها عاد إليَّ الفرح، وكأن كنزًا ضائعًا قد عاد إلى أصحابه.

عاد الكرسي إلى مكانه، وعادت معه أحلامي الصغيرة. واصلت الجلوس عليه كلما سنحت الفرصة، أمارس هواية تقليد أبي، وأبني في رأسي مستقبلًا لا حدود له.

واليوم، وبعد أن مضت سنوات طويلة، أدرك أن قيمة ذلك الكرسي لم تكن في الخشب الذي صُنع منه، بل في الذكريات التي حملها. لقد كان رمزًا لزمن بسيط، ولأبٍ رأيته بعيني طفل سلطانًا لا ينافسه أحد، ولأيام كانت السعادة فيها تختبئ في كرسي خشبي، ونرجيلة هادئة، ودكان صغير، وحلم طفل لا يعرف من الدنيا سوى أن أباه هو أعظم رجالها.

كم أتمنى أن يعود ذلك الكرسي... لا لأجلس عليه، بل لأستعيد معه صورة والدي، وهو يجلس في هدوء الملوك، وسكينة الآباء، سلطانًا لزمنٍ لن يعود.

 


مشاهدات 54
الكاتب أحمد جاسم الزبيدي
أضيف 2026/07/01 - 4:47 PM
آخر تحديث 2026/07/02 - 2:39 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 194 الشهر 1257 الكلي 15906384
الوقت الآن
الخميس 2026/7/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير