الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بغل عراقي أثول

بواسطة azzaman

هاشتاك الناس

بغل عراقي أثول

ياس خضير البياتي  

 

في قرية صغيرة على ضفاف نهر دجلة، عاش بغل يُدعى أثول. ولم يكن أثول بغلًا عاديًا؛ فقد حمل على ظهره سنوات طويلة من الجمود والعناد، وعُرف عنه أنه لا يتحرك إلا إذا اقتنع بنفسه، وذلك أمر نادر الحدوث. كان راسخًا في مكانه، تغطي الطينُ رأسَه، وتمتلئ ذاكرته بأفكار قديمة متحجرة، كأنه ورثها عن أسلافٍ حكموا الحقول قبله ولم يورثوا من حكمتهم سوى العثرات.

لم يكن أثول يعاند عبثًا، بل لأنه كان يزعم أنه يعرف كل شيء عن ذلك الحقل الفاسد؛ حقلٌ سُرق كل شبر فيه، وتلوثت كل ساقية من سواقيه. وكلما حاول أحد أن يقوده إلى مرعى جديد، غرس حوافره في الأرض أكثر، وأثقل التراب بثقله، وهمس في عناد: «لقد جرّبت كل الطرق، وكلها تنتهي إلى الوحل».

ويُقال إن أهل القرية حاولوا مرارًا أن يوجهوه نحو المراعي الخضراء، لكنه كان يصر على البقاء في حقله العتيق، حيث الأعشاب الصفراء والوحل العالق بالحوافر. وكان يحدث نفسه قائلًا: «هنا أعرف كل حجر وكل حفرة»، وكأنه اكتشف سرًا عظيمًا مفاده أن التغيير خطر، وأن الخراب المألوف خير من الإصلاح المجهول.

ولم يكن أثول يحب أهل قريته، بل كان يعدّهم غرباء عنه، رغم أنه وُلد بينهم وعاش من خيرات أرضهم. أما قلبه فكان معلّقًا بقرية أخرى لا تتكلم لغته ولا تشبه أهله. فاجتهد في تعلم لغتهم حتى أتقنها، وتفنن في تقليد أساليبهم حتى صار ظلًا لهم لا يكاد يُرى إلا تابعًا. أخذ يمدّهم بأخبار أهل قريته، ويتجسس على أحوالهم، ويرسل إليهم المال والطعام، طمعًا في رضاهم، وكأن رضا الغرباء عنده أثمن من كرامة أهله.

ومع مرور الزمن، أصبح أثول رمزًا معروفًا في القرية؛ فكل من حاول دفعه إلى الأمام اصطدم بجدار عناده، وكل من حاول أن يشرح له ما يجري خارج حدود الحقل اكتشف أن أذنيه محشوتان بغبار السنين، وأن قلبه مثقل بما يكفي لدفن أي فكرة جديدة قبل أن ترى النور.

ولم يكن عناده وليد الفراغ؛ فقد شهد مواسم طويلة أفسدها الفساد وسوء الإدارة، حتى بات يرى في كل ساقية ماء آثار الأخطاء القديمة، وفي كل شعاع شمس انعكاسًا للخداع السياسي. وإذا حاول أحد أن يفتح له نافذة على الأمل، رمقه بعين الريبة والشك، ثم عاد إلى صمته الثقيل بين الحقول الموحلة.

وفي أيام السوق، كان أهل القرية يتحدثون عن الإصلاح والمؤتمرات والوعود الكبيرة، بينما ينهض أثول ببطء، ويرفس الأرض بحافره، ثم يتمتم بازدراء: «من يعرف الطريق لا يحتاج إلى سماع الخطب الطويلة».

وهكذا صار أثول صورةً مألوفة لما يدور في السياسة العراقية؛ كائنات مثقلة بالفساد، مغلقة العقول، متخمة بأوهام الماضي، لا تتحرك إلا داخل الدائرة نفسها، ولا ترى في المستقبل سوى نسخة باهتة من الأمس. فلا الإصلاحات تُقنعها، ولا الوعود تُزعزع ركودها، لأن عقولها امتلأت بأفكار بالية، وقلوبها اعتادت دفء المستنقع.

وإذا حلّ موسم الانتخابات، رفع الناس آمالهم نحو السماء، بينما كان أثول يربت على ظهره المنتفخ، ويبتسم ابتسامة خافتة قائلاً: «أعرف اللعبة، وأعرف الفخ... وسيبقى هذا الحقل كما هو».

قد نضحك على أثول في هذه الحكاية، لكننا نراه كل يوم في مقاعد السلطة؛ يمشي ببطء، يرفض أن ينظر حوله، ولا يشغله سوى الاستحواذ على المال، وركوب السيارات السوداء المصفحة، والسكن في القصور المذهبة، بينما يترك الحقول قاحلة بلا خضرة، والناس يطاردون أحلامهم بين الغبار.

إنه مجرد بغل عراقي؛ يحمل أعباء الماضي، ويصر على أن يضيف إليها أعباء الحاضر.

أثول... البغل الذي يعرف كل شيء عن الوحل، لكنه لا يريد أن يغادره أبدًا.

وكان شعاره الدائم:»ما نطيها»!

yaaas@hotmail.com

 

 

 


مشاهدات 49
الكاتب ياس خضير البياتي  
أضيف 2026/06/07 - 3:27 PM
آخر تحديث 2026/06/08 - 2:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 142 الشهر 6876 الكلي 15882357
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير