الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ماذا لو إكتشف العلم ساعة أخرى؟

بواسطة azzaman

ماذا لو إكتشف العلم ساعة أخرى؟

ليث شبر

 

كم مرة نظرت إلى ساعتك أو ساعة هاتفك اليوم؟

ربما فعلت ذلك عشرات المرات دون أن تتوقف لحظة لتسأل نفسك: ما الذي تقيسه هذه الساعة حقًا؟

إنها تخبرك أن دقيقة مرت، أو ساعة انقضت، أو عامًا مضى من عمرك. لكنها لا تخبرك لماذا يشيخ إنسان أسرع من آخر، ولا لماذا تنهار شركة خلال سنوات قليلة فيما تستمر أخرى لعقود، ولا لماذا تبقى حضارات حية رغم الجراح بينما تتداعى أخرى وهي في أوج قوتها.فالزمن الذي نعرفه يجيد عدّ الأشياء، لكنه لا يجيد تفسيرها.

ولهذا ظل سؤال غريب يرافقني كلما قرأت أعمال الدكتور عبد السلام المياحي الأخيرة: ماذا لو كانت هناك ساعة أخرى تعمل في صمت داخل المنظومات نفسها؟ ساعة لا تقيس مرور الأيام، بل تقيس مقدار ما تبقى من قدرة النظام على الاستمرار.

في العادة نعتقد أن العمر هو عدد السنوات التي مرت على الإنسان أو المؤسسة أو الدولة. غير أن التجربة اليومية تخبرنا بشيء مختلف. فكم من إنسان شاب يبدو منهكًا قبل أوانه، وكم من رجل متقدم في العمر ما زال يحتفظ بحيوية الشباب. وكم من شركة حديثة الولادة تتهاوى سريعًا، بينما تستمر مؤسسات أخرى لعقود طويلة. وكم من دولة تملك كل أسباب القوة ثم تتصدع من الداخل، فيما تنجو دول أخرى من أزمات تبدو أكبر من قدرتها على الاحتمال.هنا تحديدًا يبدأ السؤال الذي يحاول العالم العراقي عبد السلام المياحي الاقتراب منه في تقريره البحثي المرجعي الجديد: هل الزمن الذي نستخدمه في العلم مجرد ساعة خارجية تقيس التغير؟ أم أن الأنظمة المعقدة تولد زمنًا داخليًا خاصًا بها أثناء تطورها وتدهورها؟

قد يبدو السؤال للوهلة الأولى فلسفيًا، لكنه في الحقيقة يقود إلى برنامج بحثي رياضي وتجريبي متكامل امتد عبر أربع دراسات متسلسلة حاولت اختبار فرضية جريئة للغاية: أن لكل منظومة تمتلك بنية وقدرة على الاستمرار والتكيف زمنًا داخليًا خاصًا بها، ينشأ من داخلها ويعكس حالتها الحقيقية بصورة أدق من الزمن الخارجي وحده.

اعلان افلاس

واللافت أن المشروع لا يبدأ من الفيزياء النظرية المجردة، بل من ظاهرة يعرفها الجميع: الانهيار لا يحدث فجأة كما نتصور غالبًا. فالجسر لا ينهار في اللحظة التي يسقط فيها، والشركة لا تنهار في يوم إعلان إفلاسها، والجسد لا يمرض في اللحظة التي تظهر فيها الأعراض. ثمة مسار طويل من التغيرات البنيوية يسبق الحدث النهائي، لكن أدواتنا التقليدية كثيرًا ما تعجز عن رؤيته مبكرًا.

من هنا جاءت الورقة الأولى لتعيد تعريف الانهيار بوصفه عملية بنيوية مستمرة لا حدثًا منفصلًا. ثم جاءت الورقة الثانية لتقترح الصياغة الرياضية للزمن البنيوي الداخلي (τ) واختباره عبر مئات المسارات المختلفة للتدهور. وبعد ذلك توسعت الفكرة خارج الهندسة لتشمل الأحياء والاقتصاد والأنظمة البيئية، قبل أن تنتقل إلى اختبار خصائصها الرياضية الأساسية ومدى قدرتها على تمثيل التدهور الحقيقي للمنظومات.

وما يثير الاهتمام هنا ليس النتائج وحدها، بل طبيعة الأسئلة التي تطرحها هذه الأعمال.

فإذا كانت لكل منظومة ساعة داخلية خاصة بها، فهل يمكن قياس العمر الحقيقي للأنظمة بدلًا من عمرها الزمني؟وهل يمكن اكتشاف التدهور قبل أن يصبح مرئيًا؟وهل يمكن فهم الاستمرارية والانهيار بوصفهما وجهين لحركة بنيوية واحدة؟

وهل يمكن أن تمتلك الخلايا والشركات والأنظمة البيئية والمنشآت الهندسية ساعاتها الخاصة التي لا تظهر على أي جدار؟

إن قيمة هذه الأسئلة لا تكمن في غرابتها، بل في قدرتها على نقل مركز الاهتمام من الحدث إلى ما قبل الحدث، ومن النتيجة إلى البنية المنتجة لها.

لقد انشغل العلم الحديث طويلًا بوصف الظواهر بعد ظهورها. أما هذا الاتجاه البحثي فيحاول الاقتراب من المنطقة التي تسبق ظهور الظاهرة نفسها.

إنه انتقال من مراقبة الانهيار إلى مراقبة الطريق المؤدي إليه، ومن دراسة المرض إلى دراسة البنية التي تسمح له بالنشوء، ومن عدّ السنوات إلى قياس القدرة الفعلية على الاستمرار.

ولعل هذا ما يجعل أعمال المياحي الأخيرة تتجاوز حدود تخصص واحد. فالقضية لم تعد مرتبطة بالفيزياء أو الهندسة فحسب، بل تمتد إلى كل نظام يمتلك بنية داخلية ويتعرض للنمو أو التدهور أو التكيف. ولهذا يجد القارئ نفسه أمام فكرة يمكن أن تلامس الطب والاقتصاد والذكاء الاصطناعي والأنظمة المعقدة بقدر ما تلامس العلوم الأساسية.

ولا أظن أن أهمية هذا المشروع تكمن في كونه يقدم إجابات نهائية، بل في أنه يعيد فتح ملف الزمن نفسه من زاوية غير مألوفة.

فمنذ نيوتن تعاملنا مع الزمن بوصفه نهرًا يجري خارج الأشياء. ثم جاءت النسبية لتربطه بالمكان والحركة. ثم جاءت الفيزياء الكمومية لتربك فهمنا التقليدي له.

 أما هنا فنحن أمام محاولة للنظر إلى الزمن بوصفه خاصية قد تنشأ من داخل المنظومات ذاتها.

قد تثبت الأيام صحة هذه الفرضية أو تكشف حدودها، فهذه هي طبيعة العلم. لكن القيمة الحقيقية لأي فكرة كبرى لا تكمن في النتائج وحدها، بل في قدرتها على إعادة صياغة الأسئلة التي نطرحها على العالم.

وهذا ما يفعله عبد السلام المياحي مرة أخرى.إنه لا يطلب من القارئ أن يصدق، ولا يدعي امتلاك الحقيقة النهائية، بل يدعو إلى الاختبار والنقد وإعادة التحقق. وتلك، في تقديري، إحدى السمات التي تميز العلماء الحقيقيين.

ويبقى السؤال الذي يراودني كلما قرأت عملًا جديدًا لهذا العالم العراقي:كم من العقول العراقية المبدعة ما زالت تعمل في الظل، بينما يبحث العراق منذ عقود عن طريقه نحو المستقبل؟وكم كان يمكن لهذا البلد أن يختصر من المسافات لو أنه جعل العلم مشروع دولة، لا جهدًا فرديًا معزولًا؟فالأمم لا تتقدم بما تملكه من ثروات فحسب، بل بما تمتلكه من عقول قادرة على طرح الأسئلة التي لم تخطر ببال الآخرين بعد.

وربما يكون السؤال الذي يطرحه عبد السلام المياحي اليوم واحدًا من تلك الأسئلة.فماذا لو اكتشف العلم فعلًا... ساعةً أخرى؟

 


مشاهدات 55
الكاتب ليث شبر
أضيف 2026/06/07 - 3:43 PM
آخر تحديث 2026/06/08 - 1:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 92 الشهر 6826 الكلي 15882307
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير