الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين تأكل الحرب رجالها

بواسطة azzaman

حين تأكل الحرب رجالها

سعد العبيدي

 

يسقط أعلى راقمٍ يقطع طريق مندلي بيد الإيرانيين منتصف السنة الثالثة للحرب معهم، فيتحوّل خلال ساعات إلى تهديدٍ مفتوح قد يبتلع خطوط الدفاع، ويمهّد لهجماتٍ أوسع. تزجّ الفرقة الثانية عشرة ألويتها تباعًا لاستعادته، فتعود مثخنة بالخسائر، تاركةً جنود الصولة متفحمين على السفوح، وآلياتٍ ممزقة تتصاعد منها رائحة الحديد المحترق، وخوف يرتفع في غرف القيادة ببطء، كدخانٍ خانق.

يبدأوا البحث عن رجلٍ مختلف. يقلبّوا الأضابير، وتتبعوا تقارير المعارك وأسماء الناجين من الجبهات الأصعب، حتى تستقر الأنظار على المقدم الركن برهان خليل؛ الضابط الذي التصقت الشجاعة باسمه وسط أكثر المواقع سوءًا واضطرابًا. فأُسندت إليه قيادة اللواء الثامن والثلاثين، ومعها المهمة التي عجز عنها الآخرون: استعادة الراقم.

يتقدّم نحو المرتفع، فيما كانت مدفعية العدو تمزّق الأرض من حوله بلا توقف. يندفع بين جنوده كأنه واحدٌ منهم، يعرف خوفهم ويشدّهم بصوته وحضوره. وقبل انبلاج الصباح، كان العلم العراقي قد عاد يرفرف فوق الراقم من جديد.

لم يتأخر الخبر في الوصول إلى القيادة. جاء أمر الرئيس سريعًا: تكريم برهان في موقعه، رتبتين أعلى، واسمٌ أخذ يتردد في نشرات الحرب بوصفه الضابط الذي استعاد ما استعصى على الآخرين.

لكن إدارة الحرب لا تحفظ أمجاد الأمس. يسقط الموضع الدفاعي في سد كنجان، الموقع الأهم في المنطقة، فتتحول أرضه إلى مقبرة لمحاولات الاستعادة. ألوية كاملة تدخل المعركة دون تهيئة ولا تعود إلا بخسائرها. عندها يستدعي الرئيس، الموجود قرب الجبهة، برهان على عجل، ويكلّفه بالمهمة التي ابتلعت من سبقه.

نيرانٍ كثيفة

يحدّق طويلًا في الخريطة، ثم يقول لقائد فرقته السابعة قبل مغادرته ليكون بإمرة الفرقة الثانية عشرة:

- أعرف قائد الفرقة الذي سأعمل بإمرته جيدًا؛ يتدخل في أدق التفاصيل، ثم يترك غيره يتحمل نتائج فشله… هذا الواجب سيقتلني.

يندفع في المحاولة الأولى مقيّدًا بتوجيهاتٍ لا يقتنع بها، فيتحطم الهجوم تحت نيرانٍ كثيفة حشد لها الإيرانيون آلاف المدافع. ويعاود الهجوم ثانيةً بتوجيهاتٍ أخرى، فتتبعثر قواته بين السواتر وحقول الألغام.

يطلب دعمًا، فيأتيه الرد: لا احتياط لدينا. يلحّ بطلب الإسناد الجوي، فيُقال إن الطقس لا يسمح بالطيران.

وقبل أن ينطفئ زخم الهجوم، يرجو حضور القائد إلى الميدان ليرى بنفسه استحالة تنفيذ تلك التوجيهات، لكن الأخير يعتذر بانشغاله، ويرفع إلى الرئيس تقريرًا يحمّل برهان وحده مسؤولية الفشل.

عاد برهان إلى فرقته السابعة مغضوبًا عليه، لكن قائدها اللواء نزار لا يتعامل معه كرجلٍ مهزوم. يجلس معه طويلًا يستمع إلى تسجيلات إدارة المعركة، فيقتنع أنه لم يكن مقصّرًا؛ فالتوجيهات لا تتلاءم  وساحة المعركة، ومدفعية العدو لم تُسكت، والجبهة ضيقة تخنق أي مناورة، فيما ظل الإسناد المدفعي له ضعيفًا، وغاب الطيران تمامًا.

يرسل نزار الأشرطة إلى القيادة العامة، مرفقةً بتوصية عاجلة لعرضها على الرئيس فورًا، لكنّها لا تُعرض؛ قيل إن مزاج الرئيس متعكّر، وليس من الحكمة أن يسمع.

ظلّ نزار يعامل برهان باحترامٍ واضح، فلم يضعه قيد التوقيف، ونفّذ طلبه الأخير بجلب أطفاله إلى المقر.

في ذلك العصر، جلس بينهم بهدوءٍ غريب، يسألهم عن المدرسة ودفاترهم الصغيرة، فيما كان نزار يراقبه بصمتٍ ثقيل. وأثناء الجلسة، وصلت برقية سرّية. فتحها نزار ببطء، ثم تجمّد نظره عند السطر الأخير: ينفّذ حكم الإعدام بالمقدم الركن برهان قبل شروق شمس الغد.

قبل الفجر بقليل، يُبلَّغ بالأمر السرّي. يأبى طلب الرحمة. يكتفي بترتيب هندامه العسكري كاملًا، كأنه يستعد لاستعراضٍ أخير لا لإعدام. جائر يسير بخطواتٍ ثابتة نحو ميدان الرمي، فيما كان الجنود يتجنبون النظر إليه. وكان القائد قد أوصاهم أن يصوّبوا على القلب… كي لا يطول ألمه. أما هو، فظل واقفًا بصلابةٍ أربكت الجميع، حتى الذين كانوا يخفون خوفهم من مصيرٍ قد يأتيهم بالطريقة نفسها. يقف بإعتدال تحت ضوء الفجر الباهت، يرفع رأسه عاليًا، ثم يهتف باسم الجيش والعراق.

تنهمر الطلقات دفعة واحدة. يهبط جسده، فيما يظل صدى صوته معلقًا في الصباح الرمادي، كأن الحرب نفسها أطلقت النار على أنبل رجالها.

 


مشاهدات 49
الكاتب سعد العبيدي
أضيف 2026/05/10 - 10:45 PM
آخر تحديث 2026/05/10 - 11:39 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 987 الشهر 9632 الكلي 15254826
الوقت الآن
الأحد 2026/5/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير