شآبيبُ الغَيْث
هدير الجبوري
تَرَكْتُ بِأَرْضِ "المَوْصِلِ" اليَوْمَ مُهْجَتِي
لِغَادَةِ خِدْرٍ فِي الحَنَايَا اسْتَقَلَّتِ
وَوجَّهْتُ آمالي إلَيها صَبابةً
فآبتْ إليَّ الذاتُ تَشْكو بخَيْبَتةِ
وشاطَرْتُ أطيارَ الفَلاةِ جِراحَها
عَلى الحبِّ ادمتني سِياطُ المَحَبَّةِ
فإنْ زَقَّتِ الأطيارُ نالتْ حَياتَها
وإنْ لَمْ تزَقـْها الأُمَّهاتُ أُميتَتِ
كَذلكَ قَلبي في يَدِ الوَجْدِ جذوةٌ
إذا هِيَ صَدَّتْ كُلُّ نَفْسٍ تَوَلَّتِ
فَوا لَهَفي إنْ جَفَّ ريقي مِنَ الظَّما
وقَدْ شَحَّ غَيْثُ الوَصْلِ بَعْدَ المَوَدَّةِ
ورُحْتُ أَمُدُّ الكَفَّ لِلرِّيحِ عَلَّها
تُوافِي بِرَيّا مِنْ شَذاها استطيبت
فَيا لَيْتَ شِعْري كَيْفَ لِلْحُرِّ صَبْرُهُ
وأَسْيافُ لَحْظِ العَيْنِ في الصَّدْرِ سُلَّتِ
رَمَتْني بِسَهْمٍ مِنْ كِنانَةِ طَرْفِها
فَخَرَّتْ قِلاعُ الكِبْرِ عِنْدي وهُدَّتِ
وما كُنْتُ أدْري قَبْلَ رُؤْيَةِ وجْهِها
بِأَنَّ أَمَاني للنُّفُوسِ اسْتُرِدَّتِ
هيَ الشمسُ لَمَّا اسْتَقْبَلَتْ لَيْلَ غُرْبَتي
فَأمَحتْ سَوادَ اليَأْسِ عَنِّي وأَجْلَتِ
تَمنَّيْتُ لوْ أنِّي جَناحُ حَمامَةٍ
لِأغْشى دِياراً بِالْمَحاسِنِ حُفَّتِ
وأَلْثِمَ تُرْباً قَدْ مَشَتْ فَوْقَ طُهْرِهِ
فَصارَ عبيراً فوق كُلِّ بسيطةِ
غَزَتْني بِجَيْشٍ مِنْ دَلالٍ ورِقَّةٍ
فَهَزَّتْ رَواسِي القَلْبِ حَتَّى اسْتَبَدَّتِ
وَلَمَّا ادْلَهَمَّ الحِبُّ وَاسْتَفْحَلَ العَنَا
تناءى مزارُ الوصلِ والنفس شقّتِ
وما قرّتِ الاعيانُ مني بوجهها
ولكنْ بِفَتَّانِ التَّبَسُّمِ قَرَّتِ
كَأَنَّ ثَناياها جُمانٌ مُنَضَّدٌ
وسُبْحانَ مَنْ صاغَ الجَمالَ فصِيغَتِ
إِذَا نَطَقَتْ هَمَّ السَّحَابُ كَأَنَّهُ
شَآبِيبُ غَيْثٍ فِي الْحَنَايَا اسْتُهِلَّتِ
شَقِيٌّ أنا في الحُبِّ يَقْتُلُني الجَفا
وتُحْيِي عُروقي لَمْحَةٌ إنْ أَطَلَّتِ
حَمَلْتُ لَها فَوْقَ المَناصِبِ عِزَّةً
فَلَمَّا رَأَتْ عِزِّي بِدَلٍّ أَذلّتِ
رَحِيلِي إِلَيْهَا مَوْجَةٌ مَاتَ شَطُّهَا
فَلَا هِيَ آبَتْ.. لَا وَلَا الرِّيحُ خَفَّتِ
أَيا غُصْنَ بانٍ في رياضِ جَوانِحي
سَقَتْكَ دُموعي كُلَّما العَيْنُ ذَرَّتِ
خُذيني كِتاباً مَزَّقَ الهَجْرُ سَطْرَهُ
وحُطِّي رِحالَ الوَجْدِ فالنَّفْسُ كَلَّتِ
فَصَبْراً جَميلاً يا فُؤادي على النَّوى
لَعَلَّ بَشيرَ الوَصْلِ يَمْحو بَلِيَّتِي
وخَتْمُ مَقالي يا خَليليَّ إنَّها
بِروحِيَ بَلْ في الذاتِ حَقّاً تَجَلَّتِ