الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
القائد حين يؤسس حزباً وهو في السلطة: بناء دولة أم بناء إرث سياسي؟

بواسطة azzaman

القائد حين يؤسس حزباً وهو في السلطة: بناء دولة أم بناء إرث سياسي؟

حسين الاعرجي

يواجه رئيس الحكومة ، في الأنظمة السياسية الهشّة أو الانتقالية،، معضلة معقدة تتمثل في الإشكالية : هل يبقى ممثلاً للدولة فوق الاصطفافات الحزبية، أم يتحول إلى زعيم سياسي يسعى لبناء قوة دائمة تضمن بقاءه بعد انتهاء ولايته؟

تلك المعضلة لا تبدو نظرية في الشرق الأوسط، بل تتكرر باستمرار، خصوصاً عندما يبدأ رئيس الحكومة بالتفكير في تأسيس حزب سياسي خاص به وهو على راس السلطة.

ظاهرياً، يبدو الأمر حقاً ديمقراطياً مشروعاً؛ فمن حق أي سياسي أن يمتلك مشروعاً سياسياً أو تياراً شعبياً يدافع عن رؤيته. لكن المشكلة لا تبدأ من “الحق”، بل من “التوقيت” و”طبيعة السلطة” التي يمتلكها الحاكم أثناء تأسيس الحزب.

يفترض على رئيس الحكومة أن يكون نقطة توازن بين القوى السياسية، لا طرفاً يسعى لتوسيع نفوذه الحزبي مستخدماً أدوات الدولة. فحين يدخل الحاكم إلى المنافسة الحزبية المباشرة، فإنه يفقد تدريجياً صفته كوسيط وطني، ويتحول إلى خصم سياسي لبقية الأطراف. هنا تبدأ معادلة الحكم بالتغيّر: القرارات لم تعد تُقرأ باعتبارها قرارات دولة، بل باعتبارها خطوات تخدم مشروع الحزب الوليد.

في هذه اللحظة تحديداً، تتولد حالة خوف لدى القوى السياسية الأخرى. ليس لأن الحزب الجديد أقوى بالضرورة، بل لأن مؤسس الحزب يمتلك أدوات لا يمتلكها خصومه: النفوذ التنفيذي، الحضور الإعلامي، شبكة العلاقات الرسمية، وإمكانية التأثير في التعيينات والموارد العامة. لذلك تبدأ الأحزاب الأخرى بالنظر إلى أي مشروع حكومي حتى لو كان إصلاحياً—باعتباره محاولة لبناء شعبية انتخابية مقنّعة.

 

وهنا يقع الفخ السياسي الكبير.

فبدلاً من أن تتنافس القوى على دعم نجاح الحكومة، تبدأ بالتفكير في كيفية منعها من تحقيق إنجازات قد تتحول لاحقاً إلى رأسمال انتخابي. فيتحول الصراع من “كيف ننجح الدولة؟” إلى “كيف نمنع خصمنا من احتكار النجاح؟”. وهذه واحدة من أخطر الأزمات التي تضرب الأنظمة التوافقية، لأنها تجعل النجاح الحكومي تهديداً سياسياً لبقية الأطراف.

يقدم التاريخ السياسي في المنطقة نماذج عديدة لحكام حاولوا الجمع بين الدولة والحزب في آن . فبعضهم نجح مؤقتاً في بناء شعبية واسعة، لكنه في المقابل أضعف حيادية مؤسسات الدولة، وربط شرعية الإنجاز بشخصه أو تياره، لا بالمؤسسات نفسها. وعندما يغادر الحاكم، تدخل الدولة غالباً في أزمة إعادة توازن، لأن المشروع كان قائماً على الولاء السياسي أكثر من البناء المؤسسي.

في المقابل، هناك نماذج لزعماء تعمدوا الابتعاد عن تأسيس أحزاب خاصة بهم أثناء وجودهم في السلطة، حفاظاً على صورة “رجل الدولة” لا “زعيم الكتلة”. هؤلاء فهموا أن قوة الحاكم لا تُقاس فقط بقدرته على كسب الأنصار، بل أيضاً بقدرته على طمأنة الخصوم ومنع النظام السياسي من الانزلاق إلى حرب نفوذ دائمة.

 

لكن هنا يجب الحذر من تبسيط المسألة. فعدم تأسيس حزب لا يعني بالضرورة النزاهة السياسية، كما أن تأسيسه لا يعني تلقائياً السعي للاستبداد. أحياناً يرى الحاكم أن مشروعه الإصلاحي لن يعيش دون قاعدة سياسية تحميه بعد خروجه من السلطة. وهذه حجة لها وجاهتها في الأنظمة التي تُسقط فيها المشاريع بتغير الحكومات. غير أن المشكلة تبقى في كيفية الفصل بين موارد الدولة ومصالح الحزب، وهي معادلة فشل فيها كثيرون.

 

السؤال الحقيقي إذن ليس:

هل من حق القائد أن يؤسس حزباً؟

بل:

هل تستطيع الدولة أن تبقى محايدة عندما يصبح القائد لاعباً حزبياً مباشراً؟

لذا نقول ان الدولة القوية تُبنى حين يشعر الجميع أن مؤسساتها تعمل فوق المصالح الفئوية، لا حين تتحول السلطة إلى منصة لإنتاج إرث سياسي طويل الأمد باسم الإصلاح أو الاستقرار.


مشاهدات 71
أضيف 2026/05/05 - 4:27 PM
آخر تحديث 2026/05/06 - 2:04 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 147 الشهر 4926 الكلي 15250120
الوقت الآن
الأربعاء 2026/5/6 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير