بيروت.. وصلب
الـمسيح الأخير
عبد المنعم حمندي
مَفْتُونَةٌ بِالبَحْرِ
أَمْ مَغْسُولَةٌ بِالنَّارِ زَنْبَقَةُ الدِّمَاءِ؟
كُسِرَ الإِنَاءْ..
وَانْصَبَّ زَيْتُ جَهَنَّمٍ
كَمْ صَرْخَةٍ.. صَمْتٌ لَهَا الآذَانُ
تَسْبَحُ في الهَوَاءِ
لُبْنَانُ غَيْمُ زَنَابِقٍ..
فَانْسَالَ دَمْعُ الأَرْزِ نَاراً في الفَنَاءِ
تَأْبَى مُغَازَلَةَ الصُّخُورِ..
تُمَشِّطُ الشَّعْرَ الطَّوِيلَ عَلَى المِيَاهِ
وَتُقْنِعُ العُشَّاقَ.. أَنَّ المَوْتَ صُدْفَةْ!
البَحْرُ مَاتَ..
وَلَمْ يَجِدْ كَفَناً يُوَارِي بَعْضَ نُطْفَةْ
مَا نَفْعُ هَذَا البَحْرِ يَمْضَغُ لَحْمَنَا؟
وَدَمُ الذَّبِيحَةِ صَارَ قَانُونَ السَّمَاءِ!
يَا بَحْرُ بَشِّرْ مَنْ يَمُوتُ الآنَ..
بِالمَوْتِ المَسِيحُ يَعُودُ حَيّاً مِنْ جَدِيدْ.
فَأَجَبْتُهُ، وَالرَّمْلُ يَمْضَغُ خَيْبَتِي:
هَذَا الدُّخَانُ يَقُصُّ أَلْسِنَةَ المَآذِنِ،
وَالعُيُونُ تَقَرَّحَتْ.. وَالدَّمْعُ نَارْ
هَمَسَ الغُرَابُ بِمَسْمَعِي:
«لَا تَنْتَظِرْ أَحَداً.. فَكُلُّ القَادِمِينَ مَخَالِبٌ»
وَالصُّبْحُ مَصْلُوبٌ عَلَى نَاعُورِ شَيْطَانٍ مَرِيدْ
نَادَيْتُ نَفْسِي في المَرَايَا: «مَنْ أَنَا؟»
فَأَجَابَ صَوْتٌ مِنْ وَرَاءِ الذِّكْرِيَاتِ:
«أَنْتَ الَّذِي حَجَبَتْ مَنَافِي الفَجْرِ عَيْنَاهُ..
فَصَارَ يَبْحَثُ عَنْ بِلَادٍ.. في عُيُونِ القَاتِلِينَ!»
يَا أَيُّهَا المَوْتُ الـمُقَسَّطُ..
مَنْ تُرَى.. يَسْتَلُّ سِكِّينَ السُّؤَالِ مِنَ الوَثَنْ؟
الرِّيحُ تَسْأَلُ عَنْ بِلَادٍ..
لَمْ تَجِدْ إِلَّا مَزَاداً لِلْوُشَاةِ.. !
تَبّاً لَكُمْ!
لَا تَسْأَلُوا النِّيرَانَ عَنْ طَعْمِ الحَرِيقِ
أَنَا مَنْ صَنَعْتُ النَّارَ مِنْ حَطَبِ النَّشِيدِ..
نَادَيْتُ قَلْبِي: «يَا بَقَايَا مَنْ مَضَى..»
فَأَجَابَنِي:
«البَحْرُ كَذَّابٌ.. وَكَلْبْ»
وَيَقِينُهُ الـمَزْعُومُ.. صَلْبْ
بَيْروتُ «تَنْفُثُ بَحْرَهَا»
وَتَقُومُ مِنْ بَيْنِ الرُّكَامِ..
لِتَلْعَنَ المَوْتَ الـمُعَلَّبَ في الطُّرُودِ..
خُذْ مَا تَشَاءُ مِنَ التُّرَابِ..
سَيَصيرُ هَذَا الطِّينُ سِكِّيناً..
يُطَارِدُ كُلَّ مَنْ خَانُوا..
وَمَنْ بَاعُوا الدِّمَاءْ
بيروتُ أَوسعُ مِنْ سَمَاءْ!