الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إبراهيم وإبراهيمة

بواسطة azzaman

إبراهيم وإبراهيمة

محمد سعيد الريحاني

 

تقدمت لخطبته الجارة الأولى لابنتها الكبرى.

رفض تحت مبرر صغر سنه وعدم قدرته على تحمل مسؤولية الزواج.

تقدمت لخطبته الجارة الثانية لابنتها الصغرى.

رفض تحت مبرر حداثة عهده بالمشوار المهني وحاجته لتوفير المال الكافي لأبسط واجبات الزفاف والزواج.

تقدمت لخطبته الجارة الثالثة لابنتها الوسطى.

رفض تحت مبرر حاجته لمعرفة ذاته قصد المصالحة معها قبل دخوله تجربة الزواج.

تقدمت لخطبته الجارة الرابعة لابنتها بالتبني.

رفض تحت مبرر أن المدينة التي يقيم فيها لا تستجيب لطموحاته وأنه يفكر في الرحيل نحو مدن أخرى أكبر وأرحب وأوسع ولا يريد أن يرهن مستقبل فتاة وقلبها بانتظاراته.

تقدمت لخطبته الجارة الخامسة لنفسها.

رفض تحت مبرر الرغبة في الهجرة إلى أي مكان وعدم العودة مهما طال الزمان ومهما تغيرت الأمور وأنه لا يريد أنثى تعيده لمدينة مسقط رأسه تحت مبرر الزواج.

تكررت عروض الخطبة والزواج.

تكرر الصد.

طالت مطاردات الجارات الخبيرات باقتناص الصالح من الذكور لبناتها أو لأنفسهن.

طال الرفض.

اجتمعت الجارات الخبيرات به في لقاء ظاهره العفوية والتلقائية وباطنه التحضير والتنسيق وتوزيع الأدوار، وسألنه بصراحة عن سبب الصد الدائم.

أجاب بأنه ينتظر الأنثى التي ستحبه ويحبها.

عارضنه

«ولكن الحب يأتي بعد الزواج وليس قبله

 أصر

«لن أتزوج غير الأنثى التي ستحبني وأحبها ولو تطلب الأمر الانتظار إلى نهاية العمر

بعيدا عن الحب أو قريبا منه، عرضت عليه خلايا الحي الحزبية الانضمام للحزب لسمعته وإشعاعه.

رفض.

عادت الخلية لتعرض عليه التصويت للحزب بمناسبة اقتراب الحملة الانتخابية.

رفض.

اعترضوا سبيله، ذات مرة، وسألوه:

«هل تعلم، يا إبراهيم، بإنك لم تعد لا الطفل ولا الشاب الذي كبر بيننا؟»

«هل تعلم، يا إبراهيم، بأنك تخرج عن إجماع الحي وتوافقاته، غير آبه بتبعات الأمر؟»

«هل تعلم، يا إبراهيم، بإنك تهدم قيم الحي ومثله بعدميتك

على الجهة الأخرى، أو في ذات الاتجاه، اجتمعت الجارات الخبيرات بأفراد عائلاتها الصغيرة والممتدة ممن تتكون منهم خلايا الحي الحزبية، أبناء وأحفادا وأصهارا، وكان القرار الذي خجل المقررون أنفسهم من إعلانه للعموم فأبقوه سرا مكتوما بنكهة الخنجر المسموم.

بعد القرار، امتنع الجيران عن رد التحية والسلام على إبراهيم.

بعد القرار، داوم الجيران على تفرس إبراهيم باستغراب.

بعد القرار، تناوب الجيران على التفتيش في كيس نفايات إبراهيم ليلة بليلة.

بعد القرار، حاصر الحي إبراهيم.

بعد القرار، حاصرت المدينة إبراهيم.

بعد القرار، تم تنفيذ حكم النبذ في حق إبراهيم.

طوقت العيون إبراهيم حيثما حل وارتحل.

طوقت الآذان إبراهيم حيثما فتح فاه.

ضاقت الدنيا بإبراهيم.

قرر بيع داره والهجرة إلى أي مكان.

تعاون الجميع على عرقلة البيع، سماسرة وجيرانا وخلايا الحي الحزبية، لإبقائه تحت عين المراقبة وضمان إفشال أهدافه وإفساد مشاريعه وعرقلة مصالحه ما دامت له أهداف وما دامت له مشاريع وما دامت له مصالح.

طلب الانتقال المهني إلى مدن أخرى فأتلفت المندوبية الجهوية للقطاع الذي يعمل فيه الأقراص المرنة التي تضم كل طلبات المهنيين الذين جمعتهم بإبراهيم رغبة الانتقال في السنوات التي أدرج فيها اسمه وطلبه، عملا بمبدإ «علي وعلى أعدائي».

سلطت أجهزة التخويف والترويع على جلساء إبراهيم وزملائه خوف الدنيا والآخرة فهجروه

بعد ملاحقة العيون والآذان، بدأت ملاحقة الأقدام.

بعد ملاحقة العيون والآذان، بدأت مطاردة الإشاعات.

في عز العزلة، قرر دخول تجربة الكتابة والبوح لكل الناس عبر التاريخ ما دام الناس في التاريخ يحاصرونه ويقاطعونه ويسعون لقتله رمزيا وفعليا.

في عز العزلة، كتب «موت المؤلف» وطبعه ووزعه ورقيا وإلكترونيا.

وحدها قارئة «موت المؤلف» من وقفت في وجه «النماردة»، ملوحة بالمعول في يدها.

وحدها قارئة «موت المؤلف» من قدمت نفسها لأدعياء الألوهية كإبراهيمة.

وحدها قارئة «موت المؤلف» من تجرأت وصرخت ملء حنجرتها:

«لا للكبائر

«لا لادعاء الألوهية

«لا للاغتيال

وحدها قارئة «موت المؤلف» من وقفت في وجه قرارات الآلهة الزائفة.

وحدها قارئة «موت المؤلف» من سخرت ممن يعتقدون بأنهم يحيون ويميتون.

وحدها قارئة «موت المؤلف» من سخرت من الآلهة وأحبت الرجل الطريد.

وحدها قارئة «موت المؤلف»، ولا أحد سواها.

وحدها، إبراهيمة.

وحدها.

 


مشاهدات 47
الكاتب محمد سعيد الريحاني
أضيف 2026/05/08 - 1:49 PM
آخر تحديث 2026/05/09 - 2:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 125 الشهر 7648 الكلي 15252842
الوقت الآن
السبت 2026/5/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير