الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
سرسرية وسرابيت العصر الحديث

بواسطة azzaman

سرسرية وسرابيت العصر الحديث

مجيد الكفائي

 

في زمن الدولة العثمانية كان في بغداد جهاز للحراسة يُعرف بـ«السرسرية»، أُنشئ لمراقبة الاسعار وحفظ الامن ، لكنه سرعان ما تحوّل إلى أداة ابتزاز علني على التجار  والافراد  حيث فرض أفراده الإتاوات على تجار ومحال بغداد، وجُبيت الأموال قسرًا من الناس دون وجه حق، حتى ضاق الحال  بأهلها وارتفعت الشكاوى.

أمام هذا الواقع، توجّه وجهاء بغداد إلى الوالي العثماني مطالبين بوضع حد لهذا الفساد، فكان ردّ الوالي إنشاء جهاز رقابي جديد أُطلق عليه اسم «السرابيت» ومفرده «سربوت»، ليكون رقيبًا على السرسرية.

غير أن ما حدث كشف عمق الأزمة؛ إذ لم تمضِ فترة قصيرة حتى اتفق السرسريون مع السرابيت على تقاسم «الخاوة» المفروضة على البغداديين، فتحولت الرقابة إلى شريك، والمحاسبة إلى غطاء رسمي للنهب.

لم تعد قضية السرسري والسربوت شأنًا إداريًا، بل أصبحت حديث محلات بغداد كلها. كان البغدادي إذا زار أقاربه في محلة أخرى يسألهم، بسخرية ممزوجة بالألم: كيف حال السرسرية والسرابيت عندكم؟ سؤال بسيط، لكنه يلخّص حجم المعاناة التي عاشها الناس تحت سلطة الفساد المنظّم  اليوم، وبعد أكثر من قرن، يبدو المشهد وكأنه يُعاد إنتاجه بوجوه جديدة ومسميات مختلفة. المواطن العراقي يواجه مؤسسات تجبي الأموال بلا قانون واضح، ولا إيصالات رسمية، وكأنها تعمل خارج سلطة الدولة. إلى جانب ذلك، تنتشر جمعيات مرخّصة من مصارف الدولة، تزعم مساعدة المحتاجين، لكنها في الواقع تُقرضهم مبالغ محدودة بعقود صورية على أنها عمليات شراء لأجهزة موبايل أو غيرها، ثم تقتطع ما يصل إلى ثلاثة أرباع راتب المقترض ولمدة ثلاث سنوات، مع مضاعفة المبلغ المستلم.المواطن، تحت ضغط الحاجة المعيشية أو العلاج أو الظروف الطارئة، يجد نفسه مجبرًا على الاستدانة، ثم يُحاصر بسلسلة التزامات تدمّر استقراره الاقتصادي والاجتماعي.  وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح:

 أين دور الأجهزة الرقابية؟ هل تجهل ما يجري، أم تعلم وتلوذ بالصمت؟ وإن كانت تعلم، فهل هو عجز أم تواطؤ من بعض ضعاف النفوس داخل تلك الأجهزة؟بين سرسري الأمس وسرسري اليوم، يبقى الضحية واحدة: المواطن. ويتغيّر الزمن وتتبدّل الأسماء، لكن الفساد يبقى حاضرًا ما دامت الرقابة شكلية، والمحاسبة غائبة، والدولة عاجزة عن حماية مواطنيها من ابتزازٍ يُمارس باسم القانون .

 

 


مشاهدات 104
الكاتب مجيد الكفائي
أضيف 2026/04/12 - 3:41 PM
آخر تحديث 2026/04/14 - 12:38 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 535 الشهر 11637 الكلي 15229710
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/4/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير