الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الاحتضار الثقافي في العصر الراهن


الاحتضار الثقافي في العصر الراهن

اسعد يوسف الصغير

 

يعيش العالم المعاصر تحولات جذرية متسارعة أحدثت اهتزازًا عميقًا في بنية الثقافة الإنسانية، إلى الحد الذي دفع العديد من المفكرين إلى الحديث عن مرحلة احتضار ثقافي. هذا المصطلح لا يشير بالضرورة إلى نهاية الثقافة أو موتها، بل إلى حالة تآكل وتفكك وانهاك في منظومات المعنى والقيم والهوية، نتيجة ضواغط غير مسبوقة فرضتها العولمة الرقمية، والاستهلاك المفرط، وغياب المشروع الإنساني الجامع هنا يمكن النظر إلى الاحتضار الثقافي بوصفه أزمة مركبة تتقاطع فيها عناصر معرفية وقيمية وجمالية وسياسية، تتجلى في ضعف الإبداع وضياع المرجعيات وتشييء الإنسان وسيادة السطحية ونكوص القراءة فضلا عن  ذوبان الهويات المحلية في ثقافات عابرة للحدود.

الاحتضار الثقافي في احد جوانبه يمثل  مرحلة انتقالية تعيش فيها الثقافة حالة ضعف وفقدان القدرة على إنتاج المعنى بحيث تتراجع قدرتها على تشكيل الوعي وتوجيه السلوك وصناعة التماسك الاجتماعي ولا يعني الاحتضار دمارًا نهائيًا بقدر ما يشير إلى فراغ معرفي وتجفيف للينابيع التي تغذي الروح الإنسانية فالثقافة تاريخيًا تقوم على إنتاج نظم رمزية تُعطي للحياة قيمتها ولكن حين تتحول الرموز إلى سلع او أدوات تجارية  أو تُختزل في مقاطع فديوية قصيرة وصور عابرة فإن عمقها يتآكل تدريجيًا.

للاحتضار الثقافي مسببات عدة منها مثلا العولمة الرقمية ومحاولة تسليع الإنسان وهذان السببان من أبرز واميز أسباب الاحتضار الثقافي  اذ ان هيمنة العولمة الرقمية التي تحول البشر إلى مجموعة من البيانات وتحول الثقافة إلى محتوى سريع الاستهلاك بحيث تصبح خوارزميات المنصات الاجتماعية هي من تصنع الذائقة الموحّدة او الذائقة الجمعية، وتُعيد تشكيل الوعي عبر التكرار والسطحية والانفعال ما يؤدي إلى تهميش الإبداع الحقيقي. بالكيفية التي تصل بالثقافة الى انها تُقاس بالمشاهدات والتفاعل، لا بالقيمة الفكرية أو الإضافة المعرفية.

كما وان تفكك المرجعيات الكبرى له الاثر البالغ  في الاحتضار الثقافي اذ كانت المجتمعات سابقًا تستند إلى سرديات كبرى دينية كانت او فلسفية او  وطنية أو فنية حتى . أما اليوم فقد تراجعت السرديات الكبرى في قبالة خطاب فردي متطرف، يقدس اللحظة والمتعة الفورية او الانية  ويُقصي أي عمق ونتيجة ذلك ظهر فراغ وجودي جعل الثقافة تعيش بلا أفق موحد أو رؤية مشتركة ,ان  صعود النزعة الاستهلاكية وما يصنعه الاقتصاد الرأسمالي المعاصر أنتج إنسانًا استهلاكيًا يعيش في دوامة شراء لا تنتهي وهذه النزعة تسللت إلى كل مجالات الحياة بما فيها الثقافة التي تحولت إلى منتج يخضع للعرض والطلب فلم تعد المؤلفات والكتب أو الأعمال الفنية تُقاس بقيمتها الجمالية أو الفكرية بل بمدى انتشارها ورواجها التجاري.

كما ان لتراجع دور المؤسسات الثقافية ايضا له اثره البالغ اذ تعاني دور النشر والمراكز الثقافية والمسارح والمتاحف والتعليم النظامي من ضعف في التأثير أمام الإعلام والهيمنة الرقمية ,هذا التراجع جعل الثقافة بلا حاضنة مؤسسية قادرة على إنتاج مشاريع استراتيجية طويلة الأمد لتصبح المبادرات الثقافية مجرد اجتهادات فردية غير قادرة على الاستمرار.

غياب الاستقرار

ان التحولات السياسية والاقتصادية لها فعلها الواضح حيث تعيش العديد من المجتمعات أزمات سياسية واقتصادية تجعل من الثقافة آخر اهتماماتها. ومع غياب الاستقرار، تتقلص الاستثمارات الثقافية، ويتراجع الاهتمام بالفنون ويغيب التخطيط الثقافي الذي يربط الإبداع بمستقبل تلك المجتمعات.

وتعد السطحية والاختزال من اهم مظاهر الاحتضار الثقافي في الواقع المعاصر بالكيفية التي  أصبح فيها الإنسان المعاصر يعيش في عالم السرعة والذي يتمثل في منشورات قصيرة وفيديوهات سريعة و أخبار آنية و هذه السرعة بالنتيجة تعطي ثقافة اختزالية تفقد القدرة على التحليل والتأمل كما انها تخلق جيلًا يتعامل مع المعارف بآلية التمرير السريع بدلاً من الدراسة النقدية والمراجعة .

تشير العديد من الدراسات إلى انخفاض مؤشرات القراءة عالميًا، خصوصًا بين الشباب وتراجع القراءة ليس مجرد ظاهرة تعليمية بل مؤشر واضح على أزمة عميقة في علاقة الإنسان بالمعرفة مما يجعل الاحتضار الثقافي أكثر وضوحًا. ومع انتشار الثقافة الرقمية العابرة للقارات، تعيش هويات الشعوب حالة ذوبان تدريجي فالمظاهر اليومية من الموضة والموسيقى والطعام وأنماط الترفيه كلها أصبحت مستوردة ومع فقدان الهوية تفقد الثقافة وظيفتها الأساسية في بناء الانتماء.

كما ان هيمنة الخطاب الشعبوي السهل الانتشار والذي يعتمد على الإثارة والانقسام والصدمة  أصبح جزءًا أساسيًا من الحياة الرقمية ما يزيد من انحدار الوعي الجمعي ويُسهم في تآكل الثقافة العقلانية.إن الحديث عن الاحتضار الثقافي في العصر الراهن ليس مجرد تأمل نظري، بل هو قراءة واقعية لمرحلة يمر بها العالم نتيجة تغيرات سريعة طالت الجوهر الإنساني ذاته فالإنسان المعاصر يقف في لحظة مفصلية بين ثقافة تذبل تدريجيًا وثقافة جديدة تحاول أن تُولد من رحم الفوضى الرقمية ومع ذلك، يبقى الأمل ممكنًا فالثقافة كائن حي يمتلك قدرة هائلة على التجدد وما يحتاجه الواقع اليوم هو وعي نقدي عميق وإرادة جماعية ومشاريع ثقافية أصيلة تعيد للإنسان علاقته بالمعنى، وتمنحه القدرة على أن يرى العالم من خلال المعرفة لا من خلال الشاشة فقط.

 

 


مشاهدات 51
الكاتب اسعد يوسف الصغير
أضيف 2026/05/01 - 11:47 PM
آخر تحديث 2026/05/02 - 1:15 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 57 الشهر 779 الكلي 15245973
الوقت الآن
السبت 2026/5/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير