إستقرار مؤجّل أم أزمة تتشكّل؟
إقتصاد العراق بين الفراغ السياسي وضغط الحرب
أسامة أبو شعير
في هذا التحليل، لا تُقرأ الأرقام بوصفها وقائع آنية فقط، بل كمؤشرات لمسار اقتصادي يتشكل تحت ضغط داخلي وإقليمي متسارع. لم يعد السؤال: هل توجد مخاطر مالية؟ بل: ماذا تعني هذه الأرقام في حياة الناس خلال الأشهر القادمة، في ظل فراغ سياسي وتوتر إقليمي متصاعد؟ هنا يصبح الاقتصاد اختبارًا لقدرة الدولة على الاستمرار في بيئة تتآكل فيها الموارد وتتأخر فيها القرارات، حيث تتقاطع صدمة الإيرادات مع اختلال سلاسل التصدير وتزايد الضغوط الاجتماعية.
تُظهر البيانات أن العراق لا يواجه مشكلة إنتاج بقدر ما يواجه أزمة في تحويل الإنتاج إلى إيراد. فقد تراجع الإنتاج من أكثر من 4 ملايين برميل يوميًا إلى نحو 1.4 مليون برميل، مع بقاء التصدير محدودًا عبر مسارات بديلة مكلفة مثل النقل البري أو ترتيبات جزئية بعد تعطل المسار البحري الرئيسي. وعند مقارنة ذلك بما افترضته الموازنة العامة، التي بُنيت على سعر 70 دولارًا للبرميل وتصدير 3.4 مليون برميل يوميًا بما يعادل نحو 238 مليون دولار يوميًا، تتضح الفجوة بجلاء. فالواقع الحالي، رغم ارتفاع الأسعار إلى حدود 100 دولار، لا يحقق سوى نحو 20 مليون دولار يوميًا. وهنا تكمن المفارقة الأساسية: المشكلة ليست في السعر، بل في القدرة على التصدير، ما يحوّل النفط من مصدر تمويل إلى مورد معطل.
في المقابل، تنفق الدولة نحو 8 تريليون دينار شهريًا على الرواتب والتقاعد والإعانات، وفق بيانات وزارة المالية العراقية، أي ما يقارب 200 مليون دولار يوميًا بسعر صرف يقارب 1300 دينار للدولار. وبذلك تتشكل فجوة يومية تتراوح بين 180 و220 مليون دولار، دون احتساب بقية النفقات التشغيلية. هذه ليست أزمة عجز تقليدية، بل انقطاع شبه كامل بين نموذج اقتصادي قائم على تدفقات نفطية مستقرة، وواقع يعمل دون هذه التدفقات. وفي سياق تحذيرات سابقة لصندوق النقد الدولي من هشاشة الاعتماد على النفط، يتضح أن أي تراجع في الإيرادات لا يؤدي فقط إلى خلل مالي، بل إلى انكماش اقتصادي مباشر، لأن الدولة تموّل الطلب في السوق عبر الرواتب والتحويلات التي يعتمد عليها أكثر من 10 ملايين مواطن.
كتلة نقدية
ولا يتوقف الخلل عند المالية العامة، بل يمتد إلى النظام النقدي نفسه. فقد استند استقرار الدينار خلال السنوات الماضية إلى آلية واضحة تقوم على بيع الدولار مقابل سحب الدينار من السوق، ما يسمح بالتحكم في الكتلة النقدية. ومع تراجع الإيرادات الدولارية، تتقلص قدرة البنك المركزي على الحفاظ على هذا التوازن، في وقت يستمر فيه ضخ الدينار عبر الإنفاق الحكومي. ومع بقاء ما بين 80 بالمئة و90 بالمئة من النقد خارج النظام المصرفي، تصبح أدوات السياسة النقدية أقل فعالية، ويزداد تعرض السوق لضغوط محتملة على سعر الصرف واتساع السوق الموازي، وهو ما يجعل الاستقرار الحالي هشًا أكثر مما يبدو.
في ظل هذه المعادلة، يتحول السؤال من القدرة على الدفع إلى مدة الاستمرار. فقد أبقت وكالة S&P في مارس 2026 تصنيف العراق عند B- مع نظرة سلبية، في إشارة إلى تصاعد المخاطر المرتبطة بالاعتماد على النفط. وتوفر الاحتياطيات، التي تقارب 97 مليار دولار، هامشًا لامتصاص الصدمة، لكنها تُستخدم لتعويض إيرادات مفقودة لا لبناء استقرار مستدام. وباحتساب الفجوة اليومية الحالية، قد يصل الاستنزاف السنوي إلى ما بين 65 و80 مليار دولار، ما يعني أن القدرة على الصمود قد لا تتجاوز عامًا إلى عام ونصف في أفضل الأحوال إذا استمرت الظروف دون تحسن.
يتضاعف هذا التحدي مع استمرار الفراغ السياسي بعد انتخابات نوفمبر 2025، حيث لم تُشكَّل حكومة قادرة على اتخاذ قرارات إصلاحية. وفي ظل هذا الجمود، لا يبدو القطاع الخاص غير النفطي قادرًا على لعب دور بديل، نظرًا لاعتماده البنيوي على الإنفاق الحكومي نفسه. وهنا يتكرس ما يمكن وصفه بالاستقرار السلبي، حيث تُدار الأزمة دون أن تُحل، وتُؤجَّل القرارات بدل أن تُتخذ.
بند الرواتب
ورغم ذلك، لا تبدو الخيارات غائبة بقدر ما تبدو مكلفة. فإعادة فتح مسارات التصدير تمثل الحل الأسرع لتقليص الفجوة، لكنها تبقى مؤقتة. أما إعادة هيكلة الإنفاق، خصوصًا في بند الرواتب، فهي خطوة ضرورية لكنها تحمل كلفة اجتماعية وسياسية مرتفعة. كما أن تنشيط القطاع الخاص يمثل مسارًا أكثر استدامة، لكنه يتطلب وقتًا واستقرارًا سياسيًا غير متوفر حاليًا. وقد تلجأ الدولة إلى إجراءات احترازية مثل ترشيد الإنفاق الاستثماري أو توسيع أدوات الدين المحلي لتمديد الهامش الزمني، إلا أن هذه الخيارات تعالج الأعراض أكثر مما تعالج الأسباب. ولا يختلف هذا النمط كثيرًا عن تجارب دول ريعية أخرى، حيث يتحول الاحتياطي من أداة استقرار إلى وسيلة لتأجيل الانكشاف.
وتنعكس هذه الضغوط مباشرة على الحياة اليومية. فمع أي ضغط محتمل على سعر الصرف، تتآكل القدرة الشرائية للطبقة الوسطى تدريجيًا، خصوصًا في اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الاستيراد. فعلى سبيل المثال، فإن أي ارتفاع في سعر الدولار، ولو كان محدودًا، ينعكس سريعًا على أسعار السلع الغذائية الأساسية المستوردة، ما يعني أن نفس الدخل الشهري لم يعد قادرًا على تأمين السلة الغذائية ذاتها كما كان قبل أشهر. كما أن تقليص الإنفاق الاستثماري قد يحدّ من فرص العمل ويضعف قدرة الاقتصاد على خلق وظائف خارج القطاع العام. وهكذا يتحول العجز من رقم في الموازنة إلى ضغوط معيشية ملموسة تمس الأسعار والدخل وفرص العمل، بما يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع.
العراق اليوم لا يواجه أزمة طارئة بقدر ما يواجه فجوة بنيوية بين اقتصاد صُمم على تدفقات مستقرة وواقع يعمل دونها. هذه الفجوة تُدار عبر الاحتياطيات، لكنها لا تُحل. وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال كيف نُعيد التوازن، بل إلى متى يمكن لهذا النموذج أن يستمر قبل أن تتحول الضغوط المؤجلة إلى أزمة أعمق تفرض إعادة صياغة شاملة لدور الدولة والاقتصاد، حيث لا يكون البقاء هو الهدف، بل بداية مسار مختلف بالكامل.